الرئيسية/آراء/الشيخ حمد.. الرجل الذي غيّر قطر قبل أن يغيّر الخليج
آراء

الشيخ حمد.. الرجل الذي غيّر قطر قبل أن يغيّر الخليج

الشيخ حمد بن خليفة
📸الشيخ حمد بن خليفة
اليوم ميديا

محمد فال معاوية

ليست كل الدول تُصنع بالجغرافيا؛ فبعضها يُعاد تعريفه بإرادة رجل، وبحلمٍ يسبق الخرائط. وعندما يرحل ذلك الرجل، لا يكون السؤال: كم عامًا حكم؟ بل: ماذا بقي بعده؟ وما الذي تبدّل في خريطة السياسة والاقتصاد والوعي الجمعي بسببه؟

برحيل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، لا تطوي قطر صفحة حاكمٍ سابق فحسب، بل تطوي فصلًا من أكثر فصول الخليج الحديث تأثيرًا. فالرجل لم يكن أميرًا مرّ على الدوحة، وإنما كان نقطة انعطاف غيّرت مسار دولة صغيرة في الجغرافيا، حتى غدت لاعبًا يصعب تجاوزه في ملفات الطاقة والدبلوماسية والإعلام والتعليم والرياضة. لقد وسّع حدود الحضور قبل أن يوسّع آفاق الطموح، حتى بدا وكأن قطر لم تكبر في مساحتها، بل كبرت في معناها.

كان وصول الشيخ حمد إلى السلطة عام 1995 حدثًا غير مألوف في البيئة الخليجية. صحيح أن انتقال الحكم داخل الأسر الحاكمة لم يكن جديدًا في المنطقة، لكن ما أعقب ذلك هو الذي صنع الفارق. فالرهان لم يكن على تغيير الحاكم، بل على إعادة تعريف وظيفة الدولة نفسها. لم تعد قطر تكتفي بحراسة حدودها، بل شرعت في البحث عن مساحة تتجاوز الجغرافيا؛ مساحة تُقاس بالتأثير لا بالكيلومترات، وبالحضور لا بالمسافات.

كان يدرك أن الدول الصغيرة لا تنافس الكبار بعدد السكان ولا بحجم الجيوش، وإنما بوضوح الرؤية وحسن استثمار الفرص. ومن هذا الإدراك، لم تعد الثروة الغازية مجرد مورد مالي، بل تحولت إلى وقودٍ لمشروع دولة حديثة تمتلك اقتصادًا قادرًا على تمويل طموح سياسي وإعلامي وعلمي يمتد إلى المستقبل.

ومن هنا، لم يكن تطوير صناعة الغاز مشروعًا اقتصاديًا فحسب، بل قرارًا سياديًا أعاد رسم ملامح البلاد لعقود. فقد تحولت عائدات الطاقة إلى جامعات تُنير العقول، ومدارس تبني الإنسان، ومدن تنبض بالحياة، وشبكات نقل تصل الحاضر بالمستقبل، ومراكز أبحاث، وصناديق استثمار جعلت اسم قطر حاضرًا في عواصم القرار، بقدر حضوره في أسواق الطاقة.

لكن الثروة وحدها لا تصنع النفوذ، كما أن المال، مهما تضاعف، لا يشتري مكانةً في التاريخ. وهذه الحقيقة أدركها الشيخ حمد مبكرًا.

لذلك، جاءت ولادة شبكة الجزيرة باعتبارها أكثر من مؤسسة إعلامية؛ فقد كانت إعلانًا عن ميلاد صوت عربي جديد، ومنبرًا منح قطر حضورًا يتجاوز حدودها الجغرافية. اختلف الناس حول الجزيرة، وأحبها كثيرون وانتقدها آخرون، لكنها نجحت في تحقيق أمر نادر: أن تجعل اسم قطر يتردد يوميًا في البيوت العربية، وأن تمنح دولةً صغيرة مساحةً في الوعي العربي أكبر من مساحتها على الخريطة.

ثم جاءت الدبلوماسية لتضيف بُعدًا آخر إلى المشروع.

فبدلًا من الاكتفاء بسياسة خارجية تقليدية، اختارت الدوحة أن تكون جسرًا حين تنهار الجسور، وطاولةً للحوار حين تُغلق الأبواب. من لبنان إلى السودان، ومن أفغانستان إلى غزة، بنت قطر نموذجًا قائمًا على إبقاء خيوط التواصل ممتدة بين أطراف لا تجلس عادةً إلى الطاولة نفسها. وقد يختلف المراقبون حول دوافع هذه السياسة وحدودها، لكنهم يكادون يتفقون على أنها جعلت قطر رقمًا ثابتًا في معادلات الأزمات الدولية.

وربما كان أكثر ما يميز تجربة الشيخ حمد أنه لم ينظر إلى الدولة بوصفها مشروعًا ينتهي عند جيله. ففي عام 2013، اتخذ قرارًا غير مسبوق في الخليج عندما سلّم السلطة طواعية إلى نجله، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وهو في ذروة حضوره السياسي. ولم يكن ذلك مجرد انتقال للحكم، بل انتقالًا لفكرة مختلفة عن تداول المسؤولية، ورسالةً مفادها أن استقرار الدولة أهم من بقاء الحاكم، وأن قوة المؤسسات هي الضمانة الحقيقية لاستمرار الأوطان.

لقد أثبتت السنوات اللاحقة أن ذلك القرار لم يكن لحظة عاطفية، بل ثمرة رؤية بعيدة المدى. فالسياسات الكبرى واصلت مسارها، والمؤسسات استمرت في أداء أدوارها، والدولة عبرت واحدة من أصعب محطاتها خلال حصار عام 2017 دون أن تتخلى عن خياراتها الأساسية. وهنا يتجلى الفارق بين من يبني سلطة، ومن يبني دولة.

ومع ذلك، فإن أي قراءة منصفة لتجربة الشيخ حمد لا يمكن أن تتجاوز جوانبها المثيرة للجدل. فقد ارتبط اسم قطر، خلال سنوات الربيع العربي، بدعم قوى سياسية وحركات ثورية أثار دورها انقسامًا حادًا في المنطقة، وأدى إلى توترات عميقة مع عدد من العواصم الخليجية. وبالنسبة إلى مؤيديه، كان ذلك انحيازًا لحق الشعوب في التغيير، بينما رأى منتقدوه أنه تدخل في توازنات إقليمية معقدة. وبين الرأيين، بقيت حقيقة يصعب تجاهلها: أن الدوحة لم تعد، بعد تلك المرحلة، كما كانت قبلها، ولم تعد المنطقة تنظر إليها بالطريقة نفسها.

غير أن التاريخ، في نهاية المطاف، لا يحاكم القادة على حجم الجدل الذي أثاروه، بقدر ما يحاكمهم على الأثر الذي تركوه.

وأثر الشيخ حمد يبدو واضحًا اليوم في قطر التي يقودها الشيخ تميم. فالدور الذي تؤديه الدوحة في الوساطات الدولية، وقدرتها على مخاطبة أطراف متناقضة، ومكانتها في سوق الطاقة العالمية، واستثماراتها العابرة للقارات، وحضورها الثقافي والتعليمي، ليست بدايات جديدة، بل امتداد لمسار بدأ قبل ثلاثة عقود، وما زالت ثماره تنضج حتى اليوم.

ولعل هذا ما يجعل وفاة الشيخ حمد أكثر من خبر عابر، وأكثر من مناسبة بروتوكولية. إنها لحظة تدعو إلى تأمل تجربة أثبتت أن حجم الدولة لا يحدده اتساع الأرض، بل اتساع الرؤية، وأن النفوذ لا يُقاس بما تملكه الدول من ثروات، بقدر ما يُقاس بقدرتها على تحويل تلك الثروات إلى مشروع وطني يمتد أثره عبر الأجيال.

سيكتب المؤرخون كثيرًا عن الرجل الذي وصل إلى الحكم بانقلاب أبيض، لكنهم سيتوقفون طويلًا عند الرجل الذي غادر الحكم بإرادته. ففي منطقة اعتادت أن يغادر فيها الحكام السلطة تحت وطأة المرض أو الثورة أو الموت، اختار الشيخ حمد أن يترجل وهو قادر على البقاء، وأن يترك خلفه دولة تقودها المؤسسات أكثر مما يقودها الأفراد.

وهذا، في تقديري، هو الإرث الذي يستحق أن يُناقش بعيدًا عن ضجيج السياسة اليومية؛ فالأمم لا تُقاس فقط بما تملكه من ثروات، وإنما أيضًا بقدرتها على تحويل لحظات التحول إلى مستقبل مستدام. وربما لهذا ستظل تجربة الشيخ حمد واحدة من أكثر التجارب الخليجية استحقاقًا للدراسة، ليس لأنها غيّرت قطر وحدها، بل لأنها غيّرت الطريقة التي ينظر بها العالم إلى قدرة الدول الصغيرة على صناعة تأثير يتجاوز حدود الجغرافيا.

  • كاتب وصحفي
  • m.maawiya@gmail.com
"
محمد فال معاوية ليست كل الدول تُصنع بالجغرافيا؛ فبعضها يُعاد تعريفه بإرادة رجل، وبحلمٍ يسبق الخرائط. وعندما يرحل ذلك الرجل، لا يكون السؤال: كم عامًا حكم؟ بل: ماذا بقي بعده؟ وما الذي تبدّل في خريطة السياسة والاقتصاد والوعي الجمعي بسببه؟ برحيل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، لا تطوي قطر صفحة حاكمٍ سابق فحسب، بل
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة