
محمد فال معاوية
حين تدعو الإمارات قادة 192 دولة إلى مؤتمر عالمي تستضيفه أبوظبي في الثامن من ديسمبر 2026، فإن أهمية الدعوة لا تكمن في الرقم وحده، ولا في الصورة التي قد تجمع هذا العدد من قادة العالم في مدينة واحدة. الأهم هو السؤال الذي تضعه أبوظبي، بصورة عملية، أمام عالم يزداد انقسامًا: هل لا يزال ممكنًا أن يجلس المختلفون حول طاولة واحدة؟
في زمن تتسع فيه مسافات الخصومة بين الدول، وتتداخل الحروب مع الاقتصاد والتكنولوجيا والمعلومات، تبدو فكرة اللقاء نفسها أكثر أهمية من أي وقت مضى.
أبوظبي لا تحتاج إلى مؤتمر جديد لتثبت حضورها الدولي. فقد بنت خلال العقود الماضية شبكة واسعة من العلاقات والشراكات، وراكمت قدرة على التحرك بين عواصم واتجاهات سياسية واقتصادية متباينة. لكن استضافة العالم في مكان واحد تمنح هذه التجربة اختبارًا مختلفًا: هل يمكن تحويل الحضور السياسي إلى مساحة للحوار؟
فهناك فرق بين أن تكون الدولة جزءًا من المشهد الدولي، وأن تصبح مكانًا يلتقي فيه أطراف المشهد.
الدبلوماسية لا تبدأ عندما يتفق المختلفون، بل عندما يجد المختلفون سببًا للجلوس معًا.
العالم ليس فقيرًا بالمؤتمرات. القاعات ممتلئة، والبيانات لا تتوقف، والقمم تتوالى. لكن المشكلة أن كثيرًا من اللقاءات الدولية باتت تعكس الانقسامات أكثر مما تكسرها؛ يجتمع الحلفاء مع الحلفاء، بينما تزداد المسافة بين الخصوم.
لهذا تكتسب طاولة واحدة معنى مختلفًا.
فالجلوس لا يعني الاتفاق، كما أن الحوار لا يقتضي التخلي عن المصالح. لكنه يفتح احتمالًا لا توفره القطيعة: أن يسمع الخصم خصمه مباشرة، وأن تكتشف الدول أن ما يجمعها في بعض الملفات قد يكون أوسع مما تظن.
وهنا يمكن لأبوظبي أن تقدم نموذجًا مختلفًا للدبلوماسية: ليست مهمتها أن تجعل العالم متشابهًا، وإنما أن تمنع اختلافاته من التحول إلى جدران.
لكن نجاح المؤتمر لن يقاس بعدد القادة الذين يصلون إلى أبوظبي، ولا بحجم التغطية الإعلامية، ولا بصورة جماعية في نهاية اللقاء. الاختبار الحقيقي يبدأ بعد الكلمات الافتتاحية.
ماذا سيبقى بعد مغادرة الضيوف؟
هل تتحول الطاولة إلى قناة للحوار حول الأمن والسلام والطاقة والمناخ والذكاء الاصطناعي والأمن الغذائي؟ وهل تستطيع أبوظبي أن تتيح للدول المتباعدة مناقشة الملفات التي يصعب عليها بحثها في المنابر الأكثر استقطابًا؟
هذه الأسئلة أهم من الرقم 192.
فالرقم يصنع الخبر، أما الأثر فيصنع التاريخ.
وفي عالم يتجه نحو تعدد أكبر في مراكز القوة، تبدو دول الخليج أمام فرصة لإعادة تعريف موقعها في النظام الدولي. لم يعد الخليج مجرد منطقة طاقة أو ساحة تنافس بين القوى الكبرى؛ بل أصبح لاعبًا في الاقتصاد العالمي، والتكنولوجيا، والاستثمار، والطاقة الجديدة، والذكاء الاصطناعي.
وأبوظبي تقع في قلب هذا التحول.
غير أن استضافة المختلفين تفرض مسؤولية بقدر ما تمنح نفوذًا. فالدولة التي تريد أن تكون مساحة للقاء تحتاج إلى أن تترك للآخرين مجالًا للاختلاف، وأن تجعل قدرتها على التواصل مع الجميع مصدر قوة لا عنوانًا للاستقطاب.
لذلك فإن القيمة الحقيقية للمؤتمر لن تكون في أن يجتمع العالم حول الإمارات، بل في أن يجد العالم، على أرض الإمارات، مساحة جديدة للاجتماع.
قد لا تُحل الأزمات في قاعة واحدة، وقد لا تنتهي الخصومات بصورة جماعية. لكن السياسة الدولية كثيرًا ما تبدأ بخطوة أصغر: لقاء لم يكن ممكنًا، مصافحة لم تكن متوقعة، أو حديث مباشر يفتح نافذة في جدار طويل.
وهنا تكمن قيمة أبوظبي.
أن تقول للعالم: تعالوا مختلفين، لا متشابهين. احملوا مصالحكم وحساباتكم وأسئلتكم. لسنا بحاجة إلى أن نتفق في كل شيء كي نجلس معًا.
في زمن أصبحت فيه القطيعة أسهل من الحوار، قد تكون الطاولة نفسها فعلًا سياسيًا.
- كاتب صحفي وإعلامي موريتاني مقيم في الإمارات
m.maawiya@gmail.com


التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *