الرئيسية/آراء/هل ما زال المثقف قادراً على تغيير المجتمع؟
آراء

هل ما زال المثقف قادراً على تغيير المجتمع؟

شغف المعرفة في أروقة المكتبة
📸شغف المعرفة في أروقة المكتبة
اليوم ميديا

بقلم: مروان السالمي

كان المثقف، في زمن قريب، يقف في مكان واضح داخل المجال العام. كان الكتاب يمنحه سلطة، والصحيفة تمنحه منبراً، والندوة تمنحه جمهوراً. أما اليوم، فقد تغير المشهد. صار الجميع قادراً على النشر، وأصبحت المعلومة تتحرك أسرع من صاحبها، ولم يعد المثقف يحتكر الكلام.

هل انتهى دوره؟

ربما انتهى شكل من أشكال دوره، لكن الحاجة إليه لم تنتهِ.

المشكلة أن المثقف، إذا حاول منافسة المؤثر الرقمي في عدد المتابعين، خسر المعركة قبل أن تبدأ. وإذا حاول ملاحقة سرعة الأخبار، فقد وظيفته الأساسية. فالمثقف ليس موظفاً لدى اللحظة؛ مهمته أن يسأل عما وراءها.

في زمن تتضاعف فيه المعلومات، تصبح قيمة من يفسر أهم من قيمة من ينقل.

المجتمع لا يحتاج إلى شخص يعرف كل شيء، وإنما إلى من يستطيع أن يربط الأشياء ببعضها، وأن يرى العلاقة بين حدث وآخر، وأن يطرح السؤال الذي لا يجرؤ الضجيج على طرحه.

لقد تغيرت سلطة المثقف من سلطة المنبر إلى سلطة الفكرة.

وهذا التحول، رغم صعوبته، قد يكون فرصة. فالمثقف لم يعد مضطراً إلى انتظار صحيفة كي تنشر مقاله، أو قاعة كي تستضيف محاضرته. يستطيع أن يصل إلى القارئ مباشرة. لكن هذه الحرية تضع أمامه امتحاناً أشد: ماذا سيقول حين لا توجد مؤسسة تختار عنه موضوعه؟

هنا تظهر قيمة الاستقلال الفكري.

المثقف الحقيقي لا يركض وراء التصفيق. قد يحتاج إلى الجمهور، لكنه لا يجعل الجمهور معيار الحقيقة. ولا يكتب ما يضمن الانتشار، بل ما يعتقد أنه يستحق أن يُقال.

ولذلك، فإن السؤال عن تأثير المثقف يجب أن يتغير.

ليس المهم كم شخصاً قرأه، بل كم فكرةً جعلت قارئاً يعيد النظر في موقفه.

قد لا يغيّر المقال مجتمعاً في صباح واحد. الثقافة أبطأ من ذلك. لكنها تستطيع أن تغيّر طريقة السؤال، ومن يغيّر طريقة السؤال قد يغيّر طريقة التفكير، ومن يغيّر طريقة التفكير يفتح احتمالاً جديداً للمستقبل.

المثقف اليوم لا يحتاج إلى استعادة السلطة القديمة.

يحتاج فقط إلى أن يستعيد شجاعته.

شجاعة أن يقول ما يراه، وأن يصغي لما لا يعرفه، وأن يراجع نفسه، وأن يقاوم إغراء التحول إلى نسخة أخرى من الضجيج.

فالمجتمع لا يحتاج إلى مثقف أعلى من الناس، بل إلى مثقف أكثر إنصاتاً لهم.

وحين يصبح المثقف قادراً على أن يفكر مع المجتمع، لا أن يتحدث من فوقه، يبدأ تأثيره الحقيقي.

هناك، تحديداً، لا تنتهي وظيفة الثقافة؛ بل تبدأ.

  • كاتب وصحفي
"
بقلم: مروان السالمي كان المثقف، في زمن قريب، يقف في مكان واضح داخل المجال العام. كان الكتاب يمنحه سلطة، والصحيفة تمنحه منبراً، والندوة تمنحه جمهوراً. أما اليوم، فقد تغير المشهد. صار الجميع قادراً على النشر، وأصبحت المعلومة تتحرك أسرع من صاحبها، ولم يعد المثقف يحتكر الكلام. هل انتهى دوره؟ ربما انتهى شكل من أشكال دوره،
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة