الرئيسية/آراء/الشرق الأوسط بلا مناطق عازلة
آراء

الشرق الأوسط بلا مناطق عازلة

الحوثيون يتقدمون على ساحل اليمن نحو باب المندب
📸الحوثيون يتقدمون على ساحل اليمن نحو باب المندب
اليوم ميديا

د. ليلى السالمي

لم تعد أخطر المناطق في الشرق الأوسط هي تلك التي تقع تحت سيطرة دولة معادية، بل تلك التي لا تخضع بالكامل لسلطة دولة، ولا تمتلك نظامًا مستقرًا لإدارة أمنها وحدودها ومصالحها.

هذه المساحات الرمادية تتسع في أكثر من مكان. وعلى امتداد البحر الأحمر، وفي اليمن والسودان وليبيا والعراق وسوريا، لم يعد الفراغ مجرد نتيجة للحرب أو ضعف الدولة؛ بل أصبح الفراغ نفسه بيئة لإنتاج القوة.

وهنا تظهر إحدى التحولات الأعمق في النظام الإقليمي: الجغرافيا التي لا تديرها الدولة لا تبقى محايدة طويلًا.

في السابق، كان من الممكن النظر إلى المناطق الهشة باعتبارها مشكلة داخلية. أما اليوم، فإن المنطقة غير المستقرة يمكن أن تتحول بسرعة إلى ممر للسلاح، أو منصة للضغط على التجارة، أو نقطة نفوذ لقوة خارجية، أو ورقة تفاوض في صراع أكبر.

وهذا ما يجعل باب المندب مثالًا بالغ الدلالة.

فالقيمة الاستراتيجية للساحل اليمني لا تأتي من مساحته، وإنما من موقعه. ومن يملك القدرة على التأثير في هذا الساحل لا يحتاج إلى امتلاك دولة كاملة حتى يؤثر في الاقتصاد العالمي. يكفي أن يمتلك قدرة محدودة على تهديد الملاحة، أو رفع تكلفة التأمين، أو تعطيل حركة السفن، حتى تتحول منطقة جغرافية محدودة إلى عامل مؤثر في حسابات دول وأسواق بعيدة عنها.

المعادلة نفسها يمكن رؤيتها في مناطق أخرى.

في السودان، لا يقتصر الصراع على مستقبل السلطة في الخرطوم. فهناك موقع على البحر الأحمر، وحدود واسعة، وموارد، وامتدادات أفريقية وعربية تجعل مسار الصراع ذا أبعاد تتجاوز الداخل السوداني.

وفي ليبيا، لا تتعلق المنافسة فقط بمن يحكم العاصمة، بل بموقع يربط شمال أفريقيا بالمتوسط والساحل وأوروبا، ويمنح الجغرافيا الليبية أهمية تتجاوز حدود الصراع المحلي.

أما في العراق وسوريا، فقد أظهرت سنوات الصراع كيف يمكن للحدود أن تصبح أقل قدرة على عزل ساحات الصراع عن بعضها، خصوصًا عندما تتداخل القوى المحلية والإقليمية.

الدولة الحديثة تفترض أن الحدود تنظم الجغرافيا، لكن الشرق الأوسط الحالي يكشف أن الجغرافيا أحيانًا تعيد تشكيل الدولة نفسها.

المشكلة أن التعامل التقليدي مع هذه المناطق غالبًا ما يبدأ من سؤال يبدو منطقيًا، لكنه قد لا يكون الأكثر أهمية: من يستطيع السيطرة عليها؟

لكن السيطرة الكاملة لم تعد دائمًا ممكنة أو حتى ضرورية.

السؤال الأكثر واقعية هو: من يستطيع إدارة المخاطر داخلها؟

هذه نقلة مهمة في التفكير الاستراتيجي.

فالدولة أو القوة الإقليمية التي تستطيع منع تحول منطقة هشة إلى منصة تهديد قد تحقق هدفها من دون أن تسيطر عليها مباشرة.

وهذا يفسر صعود أدوات جديدة في السياسة الإقليمية، من الوساطة والاستثمارات والمساعدات إلى البنى التحتية والتدريب الأمني والشراكات البحرية والدبلوماسية المتعددة الأطراف.

القوة لم تعد دائمًا هي القدرة على دخول المنطقة؛ قد تكون القدرة على منع خصمك من تحويلها إلى أصل استراتيجي.

وهنا تتغير معادلة النفوذ نفسها. فبدل أن يكون النفوذ مرتبطًا فقط بمن يسيطر على الأرض، يصبح مرتبطًا أيضًا بمن يستطيع التأثير في مسارها، وتقليل مخاطرها، ومنع خصومه من استثمار هشاشتها.

التحولات الحالية تعيد الاعتبار إلى الجغرافيا البحرية.

هرمز وباب المندب وقناة السويس والبحر الأحمر ليست نقاطًا منفصلة على الخريطة؛ إنها أجزاء من شبكة واحدة تربط الطاقة بالتجارة بالأمن.

وعندما يتعرض أكثر من ممر للخطر في الوقت نفسه، يصبح مفهوم الأمن البحري أوسع من حماية السفن.

إنه يتعلق بحماية قدرة الاقتصاد العالمي على الحركة.

وهذا يعني أن دول الخليج، ومصر، ودول البحر الأحمر، والهند، والصين، وأوروبا، والولايات المتحدة، لديها مصالح متقاطعة في منع تحويل الممرات البحرية إلى أدوات ابتزاز جيوسياسي.

لكن تقاطع المصالح لا يعني بالضرورة نشوء تحالف واحد.

وهنا تظهر معضلة أخرى: كيف يمكن بناء أمن مشترك من دون إنشاء تبعية سياسية؟

فأمن الممرات البحرية يحتاج إلى تعاون يتجاوز الحدود، لكن هذا التعاون يظل محكومًا بحسابات السيادة والنفوذ والمصالح الوطنية. وكلما اتسعت دائرة الأطراف المعنية، أصبح تحقيق التوازن بين التعاون والاستقلال أكثر تعقيدًا.

ربما تكون هذه هي الفكرة الأكثر أهمية.

المناطق التي تبدو بلا مركز قرار ليست بلا قوة. على العكس، قد تصبح أكثر جذبًا للقوى التي تبحث عن موطئ قدم منخفض التكلفة وعالي التأثير.

ولهذا فإن ترك منطقة ما بلا إدارة استراتيجية لا يعني تركها خارج الصراع.

غالبًا يعني ترك الآخرين يديرونها.

وهنا ينبغي أن يتغير التفكير العربي في الأمن الإقليمي.

بدل انتظار الأزمات حتى تصل إلى الممرات الدولية والمنشآت الحيوية، تحتاج الدول إلى الاستثمار مبكرًا في المناطق التي يمكن أن تتحول إلى نقاط اختناق.

ليس المطلوب احتلالها أو فرض نموذج سياسي عليها.

المطلوب بناء شبكات استقرار تجعل تحويلها إلى منصات للضغط أكثر كلفة، وتمنع الفراغ الأمني والسياسي من التحول إلى أصل استراتيجي في يد طرف آخر.

وهذه الشبكات لا تعني بالضرورة وجود قوة عسكرية واحدة أو تحالف دائم. فقد تشمل أدوات اقتصادية وتنموية وأمنية ودبلوماسية، إضافة إلى تعزيز قدرة الدول المحلية على إدارة أراضيها وممراتها وحدودها.

الشرق الأوسط يدخل مرحلة يصبح فيها إدارة الفراغ جزءًا من الأمن القومي.

الدولة التي تحمي حدودها فقط قد تكتشف أن التهديد وصل إليها من منطقة تقع خارج حدودها.

والدولة التي تنظر إلى البحر باعتباره ممرًا تجاريًا فقط قد تكتشف أنه أصبح ساحة صراع.

والدولة التي تنتظر ظهور الخطر قبل التحرك قد تدفع ثمنًا أعلى بكثير من الدولة التي تستثمر في منع تشكله.

لهذا فإن السؤال الاستراتيجي للمرحلة المقبلة ليس: من يملك هذه المنطقة؟

بل: من يملك القدرة على منع الفراغ فيها من أن يتحول إلى قوة بيد الآخرين؟

قد يكون هذا السؤال أكثر أهمية من سؤال السيطرة نفسه.

فالشرق الأوسط لا يواجه فقط صراعًا على الأرض، أو على الممرات البحرية، أو على النفوذ بين القوى الإقليمية والدولية؛ بل يواجه صراعًا أعمق على من يملأ الفراغ عندما تتراجع قدرة الدولة على إدارة جغرافيتها.

وفي هذه المعادلة، قد لا تكون القوة الأكثر تأثيرًا هي التي تسيطر على أكبر مساحة، وإنما تلك التي تستطيع منع المساحات الهشة من التحول إلى أدوات في يد خصومها.

  • باحثة سياسية بريطانية

"
د. ليلى السالمي لم تعد أخطر المناطق في الشرق الأوسط هي تلك التي تقع تحت سيطرة دولة معادية، بل تلك التي لا تخضع بالكامل لسلطة دولة، ولا تمتلك نظامًا مستقرًا لإدارة أمنها وحدودها ومصالحها. هذه المساحات الرمادية تتسع في أكثر من مكان. وعلى امتداد البحر الأحمر، وفي اليمن والسودان وليبيا والعراق وسوريا، لم يعد الفراغ
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة