الرئيسية/آراء/عصر ما بعد الحليف
آراء

عصر ما بعد الحليف

ممرات الطاقة في الخليج وإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية
📸ممرات الطاقة في الخليج وإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية
اليوم ميديا

د. راشد المنصوري

كان سؤال السياسة الدولية في القرن الماضي بسيطًا نسبيًا: من حليفك؟ أما اليوم، فقد أصبح السؤال أكثر تعقيدًا: كم خيارًا لديك عندما يتغير موقف حليفك؟

هذا التحول لا يعكس فقط تغيرًا في طبيعة العلاقات بين الدول، بل يكشف عن إعادة تعريف لمفهوم القوة نفسه. فالدولة القوية لم تعد تلك التي تمتلك حليفًا قويًا فحسب، وإنما تلك التي تستطيع التحرك عندما تتغير مواقف الحلفاء، أو تتبدل أولوياتهم، أو تفرض الأزمات حسابات جديدة.

لذلك، ربما يكون العالم قد دخل عصرًا يمكن تسميته «عصر ما بعد الحليف»؛ ليس بمعنى انتهاء التحالفات، وإنما تراجع قدرتها على أن تكون الضمان الوحيد لأمن الدول واستقرارها ومصالحها.

في هذا العالم، تصبح قوة الخيارات جزءًا أساسيًا من قوة الدولة.

الدول التي تعتمد على مسار واحد، مهما بدا هذا المسار قويًا ومستقرًا، تظل أكثر عرضة للضغط عندما يتغير اتجاهه. أما الدول التي تمتلك أكثر من قناة للتحرك، وأكثر من شريك، وأكثر من طريق لتأمين مصالحها، فإن قدرتها على المناورة تزداد حتى في الأزمات المعقدة.

وهنا تظهر قاعدة جديدة في فهم القوة: قوة الدولة لا تُقاس فقط بما تملكه، بل بما تستطيع الاستغناء عنه دون أن تتعطل مصالحها.

فامتلاك الموارد وحده لا يكفي إذا كان الوصول إليها أو استخدامها مرتبطًا بمسار واحد. وامتلاك شريك قوي لا يعني بالضرورة امتلاك خيارات واسعة إذا أصبحت العلاقة معه شرطًا لكل قرار. كما أن الاستقرار لا يتحول إلى مصدر قوة حقيقي إلا عندما يمنح الدولة قدرة أكبر على الحركة والاختيار.

لهذا السبب، تتجه دول كثيرة إلى تنويع علاقاتها الدولية بدل الارتهان إلى محور واحد. في الاقتصاد، يتزايد البحث عن أسواق متعددة وسلاسل إمداد أكثر مرونة. وفي الطاقة، يصبح تنويع طرق التصدير والنقل عنصرًا من عناصر الأمن الاستراتيجي. وفي التكنولوجيا، تسعى الدول إلى توسيع مصادر المعرفة والتقنيات بدل الاعتماد الكامل على مزود واحد. أما دبلوماسيًا، فتزداد أهمية القدرة على التواصل مع أطراف مختلفة، حتى عندما تكون بينها تناقضات عميقة.

ولا يعني ذلك بالضرورة ازدواجية في المواقف، بل قد يكون محاولة لبناء هامش أوسع من الاستقلال في القرار.

وفي منطقة الخليج تحديدًا، تبدو الفكرة أكثر أهمية. فالجغرافيا تمنح دول المنطقة موقعًا استراتيجيًا بالغ الأهمية، والثروة توفر أدوات اقتصادية واسعة، والاستقرار السياسي يتيح بناء سياسات طويلة المدى. لكن تحويل هذه المزايا إلى قوة فعلية يتطلب أكثر من امتلاكها؛ يتطلب القدرة على استخدامها في بناء شبكة متوازنة من المصالح والعلاقات.

وهنا لا يكون المطلوب توزيع العلاقات بالتساوي، ولا الوقوف على مسافة واحدة من جميع القوى الدولية، وإنما بناء تكامل وظيفي بين الشراكات المختلفة.

قد تكون دولة ما شريكًا أساسيًا في الأمن، بينما تكون أخرى أكثر أهمية في التكنولوجيا، وثالثة في التجارة والاستثمار، ورابعة في الطاقة أو سلاسل الإمداد. القوة هنا لا تأتي من استبدال حليف بآخر، بل من عدم السماح لأي علاقة منفردة بأن تتحول إلى نقطة اختناق استراتيجية.

وهذا يغير أيضًا معنى التحالف نفسه.

ففي النموذج التقليدي، كان التحالف إطارًا سياسيًا وأمنيًا واضحًا يقوم على الثقة المتبادلة والتزامات طويلة المدى. أما في البيئة الدولية الجديدة، فقد تصبح العلاقات أكثر مرونة وتعددًا؛ تتعاون الدول في ملف وتختلف في آخر، وتنسق أمنيًا مع طرف بينما توسع تجارتها واستثماراتها مع طرف منافس.

قد يبدو هذا المشهد أكثر تعقيدًا، لكنه في الوقت نفسه يمنح الدول مساحة أكبر للمناورة.

المشكلة أن قيمة هذه الخيارات لا تظهر في أوقات الاستقرار، وإنما تظهر عندما تقع الأزمة.

عندها فقط يتضح من يمتلك البدائل ومن لا يمتلكها. تتضح قدرة الدولة على تغيير مسار تجاري، أو فتح قناة دبلوماسية، أو تأمين مصدر بديل للطاقة، أو الوصول إلى شريك جديد، أو حماية مصالحها من خلال أكثر من شبكة في الوقت نفسه.

الأزمات، بهذا المعنى، ليست مجرد اختبارات للتحالفات؛ إنها اختبارات لقدرة الدولة على الاستغناء الجزئي عن بعض الخيارات دون أن تنهار بقية منظومتها.

وقد تكون الدولة محاطة بعدد كبير من الحلفاء، لكنها تظل ضعيفة إذا كانت مصالحها الحيوية تمر عبر عدد محدود من المسارات. وفي المقابل، قد تمتلك دولة أقل عددًا من التحالفات الرسمية، لكنها أكثر قدرة على الحركة لأنها بنت لنفسها بدائل حقيقية.

لذلك، فإن السؤال الأهم في السياسة الخارجية لم يعد فقط: من يقف معنا؟

بل أصبح: ماذا نستطيع أن نفعل إذا لم يقف معنا أحد؟

هذا السؤال لا يعني التشكيك في الحلفاء، وإنما يعني بناء سياسة لا تجعل استمرار أي علاقة شرطًا لاستمرار الدولة في الحركة.

ومن هنا تبرز أهمية الدبلوماسية متعددة المسارات؛ أي أن تحافظ الدولة على شبكة واسعة من العلاقات والمصالح، بحيث تستطيع تفعيل بعض المسارات أو تخفيف الاعتماد عليها أو إعادة ترتيبها بحسب الظروف.

الدولة التي تمتلك هذا النوع من المرونة لا تحتاج بالضرورة إلى رفع سقف خطابها السياسي. يكفي أن يعرف الآخرون أنها تمتلك بدائل.

وهذه بحد ذاتها قوة تفاوضية.

فحين يعرف الشريك أن الدولة لا تعتمد عليه وحده، تصبح العلاقة أكثر توازنًا. وحين يدرك الآخرون أن الدولة تمتلك أسواقًا وموارد وشبكات متعددة، تزداد قدرتها على التفاوض ويصبح قرارها أكثر استقلالًا وأقل قابلية للضغط.

لكن بناء «قوة الخيارات» لا يعني جمع أكبر عدد ممكن من العلاقات. فالخيارات الكثيرة بلا قدرة على إدارتها قد تتحول إلى عبء.

المطلوب أن تكون الخيارات قابلة للاستخدام.

وهذا يعني امتلاك البنية التحتية التي تجعل البديل ممكنًا، والقدرات الاقتصادية التي تجعله مستدامًا، والعلاقات السياسية التي تمنحه غطاءً، والمرونة المؤسسية التي تسمح بالانتقال من مسار إلى آخر دون تكلفة باهظة.

فلا قيمة لطريق بديل إذا كان غير قادر على استيعاب الحاجة وقت الأزمة، ولا قيمة لشريك جديد إذا كانت العلاقة معه رمزية ولا توفر قدرة حقيقية على الحركة.

لهذا، فإن الاختبار الحقيقي لأي سياسة تنويع ليس عدد الاتفاقيات الموقعة ولا عدد الشركاء، وإنما سؤال أبسط: هل أصبح القرار أكثر حرية مما كان عليه قبل هذه الشراكات؟

إذا كانت الإجابة نعم، فإن الدولة تبني قوة حقيقية.

أما إذا أصبحت الخيارات الجديدة مجرد طبقة إضافية فوق الاعتماد القديم، فإن التغيير يكون شكليًا أكثر منه استراتيجيًا.

في السنوات المقبلة، قد لا تختفي التحالفات التقليدية، لكنها ستعمل داخل شبكة أوسع من العلاقات المتقاطعة. وستصبح قدرة الدول على الجمع بين الأمن والاقتصاد والتكنولوجيا والدبلوماسية أكثر أهمية من قدرتها على الانتماء إلى محور واحد.

وهذا يعني أن المنافسة بين الدول لن تكون فقط على الموارد أو النفوذ، بل أيضًا على هامش المناورة.

من يستطيع أن يغير مساره دون أن يفقد توازنه؟ ومن يستطيع أن يختلف مع شريك دون أن يخسر مصالحه؟ ومن يستطيع أن يواجه أزمة إقليمية أو دولية دون أن يجد نفسه أمام خيار واحد فقط؟

هذه هي الأسئلة التي ستحدد جانبًا مهمًا من قوة الدول في المرحلة المقبلة.

وفي النهاية، قد لا يكون «عصر ما بعد الحليف» عصرًا بلا حلفاء، بل عصرًا لا يكفي فيه الحليف وحده.

القوة الحقيقية ستكون في القدرة على بناء شبكة من الخيارات، بحيث لا تصبح الدولة أسيرة لمسار واحد، ولا رهينة لموقف شريك واحد، ولا عاجزة عن التحرك إذا تغيرت موازين القوة.

في عالم سريع التبدل، ربما تكون أفضل ضمانة للدولة ليست أن تضمن بقاء حلفائها إلى جانبها دائمًا، وإنما أن تبني قدرتها على الاستمرار حتى عندما تتغير مواقفهم.

فالدولة الأكثر قوة ليست بالضرورة من تملك أكبر عدد من الحلفاء، بل من تملك أكبر قدر من الخيارات عندما تتغير قواعد اللعبة.

  • كاتب خليجي ومفكر سياسي وباحث

"
د. راشد المنصوري كان سؤال السياسة الدولية في القرن الماضي بسيطًا نسبيًا: من حليفك؟ أما اليوم، فقد أصبح السؤال أكثر تعقيدًا: كم خيارًا لديك عندما يتغير موقف حليفك؟ هذا التحول لا يعكس فقط تغيرًا في طبيعة العلاقات بين الدول، بل يكشف عن إعادة تعريف لمفهوم القوة نفسه. فالدولة القوية لم تعد تلك التي تمتلك حليفًا
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة