
قد يبدو السؤال غريبًا: كيف يمكن أن يصبح الحوثيون أهم من الحوثية؟
الإجابة تبدأ من الجغرافيا. فالجماعة التي كانت تُقرأ لسنوات باعتبارها طرفًا في حرب يمنية، باتت تتحرك اليوم في مساحة استراتيجية تتجاوز حدود اليمن، من الساحل الغربي إلى المواقع والجزر القريبة من باب المندب.
وهنا لا تعود المسألة مرتبطة فقط بقوة الحوثيين العسكرية، بل بقيمة الموقع الذي أصبحوا قادرين على التأثير فيه.
فماذا يحدث عندما تتحول جماعة محلية إلى لاعب يملك ورقة يمكن أن تمس الملاحة الدولية والطاقة والتجارة بين آسيا وأوروبا؟
هنا تحديدًا تبدأ قصة «الحوثيين» الذين قد يصبحون، بفعل الجغرافيا، أكبر من «الحوثية» نفسها.
خلال الأيام الأخيرة، وسّع الحوثيون سيطرتهم على الساحل الغربي لليمن، بما في ذلك مدينة المخا، ووصلوا إلى مواقع وجزر استراتيجية قرب باب المندب، بينها جزيرة ميون، وسط تقارير عن سيطرتهم على جزر أخرى في جنوب البحر الأحمر. وهذه التطورات عززت موقعهم حول واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.
وفي الوقت نفسه، تصاعدت الهجمات على السعودية، وطالت أهدافًا ومنشآت مرتبطة بالطاقة، في ظل اتساع نطاق المواجهة الإقليمية.
هنا يتغير السؤال.
بدل أن نسأل فقط: كيف يمكن هزيمة الحوثيين؟
قد يكون السؤال الأهم: كيف يتعامل الإقليم مع قوة يمنية أصبحت تمتلك ورقة بحرية تتجاوز حدود اليمن؟
هذه النقلة مهمة؛ لأن قيمة الحوثيين لم تعد مرتبطة بقوتهم العسكرية وحدها، بل بالموقع الذي أصبحوا قادرين على التأثير فيه.
فالمخا والساحل الغربي وميون والمواقع المحيطة بباب المندب ليست مجرد نقاط على الخريطة اليمنية. إنها جزء من ممر يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي وقناة السويس، ويؤثر في حركة التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا.
ومع اضطراب حركة السفن عبر البحر الأحمر، أصبحت المخاطر المرتبطة بهذا الممر أكثر وضوحًا، مع انعكاسات محتملة على التجارة العالمية وأسواق الطاقة.
وهنا تصبح «الحوثية» أكبر من الحوثيين أنفسهم.
المشكلة لم تعد فقط في من يحمل السلاح، بل في الجغرافيا التي أصبح السلاح قادرًا على استخدامها.
ولهذا فإن أي استراتيجية تجاه الحوثيين لا يمكن أن تكون عسكرية فقط.
إخراجهم بالقوة من كل المواقع التي سيطروا عليها قد يفتح الباب أمام حرب استنزاف جديدة، بينما ترك هذه المواقع دون ترتيبات أمنية قد يحول باب المندب إلى ورقة ضغط دائمة في الصراع الإقليمي.
وهناك مسار ثالث أكثر تعقيدًا: التعامل مع الجغرافيا باعتبارها جزءًا من تسوية سياسية وأمنية أوسع.
وهذا لا يعني مكافأة القوة العسكرية، بل الفصل بين سؤالين مختلفين: من يحكم اليمن؟ وكيف تُحمى الملاحة الدولية؟
قد تكون هذه نقطة البداية.
فمن الممكن أن تختلف الأطراف اليمنية حول شكل الدولة وتقاسم السلطة والموارد ومستقبل الجنوب، لكنها تستطيع نظريًا الاتفاق على مبدأ أساسي: ألا تتحول الملاحة الدولية إلى رهينة للصراع الداخلي.
وهذا يتطلب ترتيبات أمنية واضحة، وآليات رقابة، وضمانات لحركة السفن، وترتيبات للموانئ والممرات البحرية.
لكن المشكلة لا تتوقف عند اليمن.
كلما توسع القتال، أصبح الحوثيون جزءًا أكثر وضوحًا من المعادلة الإيرانية–الأميركية، خصوصًا مع تزامن التطورات حول باب المندب مع اضطراب الملاحة في مضيق هرمز.
وبذلك تجد المنطقة نفسها أمام معادلة شديدة الحساسية: ممران بحريان استراتيجيان يتعرضان للضغط في الوقت نفسه، ما يزيد مخاطر أي تصعيد جديد على الطاقة والتجارة الدولية.
لكن إدخال اليمن في هذه المعادلة يحمل خطرًا آخر: أن تتحول البلاد إلى ساحة دائمة لتصفية الحسابات الإقليمية.
ولهذا يحتاج اليمن إلى مسار تفاوضي لا ينتظر انتهاء كل أزمات المنطقة.
فكلما ازدادت قيمة موقعه الجغرافي، ازدادت الحاجة إلى تسوية تمنع تحويل هذه الجغرافيا إلى سلاح دائم.
السؤال في المرحلة المقبلة لن يكون فقط: هل يستطيع الحوثيون الاحتفاظ بالمواقع التي سيطروا عليها؟
بل: هل يستطيع النظام الإقليمي التعامل مع القوة الجيوسياسية التي باتت لدى الحوثيين، من دون تحويلها إلى سبب لحرب أكبر؟ إذا نجح، فقد تتحول الجغرافيا من مصدر تهديد إلى ورقة تسوية. وإذا فشل، فقد يصبح باب المندب عنوانًا دائمًا لأزمة لا تنتهي.


التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *