لطالما عرفت أمريكا حكم الأقلية الثرية، لكن أصحاب النفوذ الاقتصادي قادوا البلاد، طوال معظم القرن الماضي، بهدوء نسبي. كانوا يعرفون كيف يدعمون السياسي المناسب، أو كيف يستغلون القانون لحماية مصالحهم. وإذا ثبت أن قانوناً ما لا يخدم مصالحهم، لجأوا إلى جماعات الضغط الماهرة والقضاة الموالين لهم.
لكن الولاية الرئاسية الثانية لدونالد ترامب أرست نظاماً مختلفاً تماماً. فالرسوم الجمركية والملاحقات القضائية واللوائح التنظيمية باتت خاضعة لأهواء رجل واحد. ويُطلب من قادة الأعمال تمويل مشاريع حكومية، مثل قاعة الاحتفالات في البيت الأبيض، فيما تستحوذ الحكومة على حصص في شركات خاصة. ويمنح البيت الأبيض حلفاءه المخلصين مشاريع تمتد من حقول النفط إلى منصات التواصل الاجتماعي. وفي الوقت نفسه، تتحرك حاشية من كبار المسؤولين وأبنائهم والمقربين منهم في عالم الأعمال كما لو كانوا أمراء. أما سيادة القانون، فتبدو في أحسن الأحوال أمراً خاضعاً للظروف.
إنها عودة إلى أسلوب حكم قديم يتمحور حول شخصية أبوية تتعامل مع الأمة باعتبارها جزءاً من أسرتها، وتوزع الموارد والامتيازات والوظائف كما يوزع الأب الحلوى على أبنائه. وفي بيئة كهذه، قد يبدو الولاء للزعيم الوطني السبيل الأضمن، بل الوحيد أحياناً، لتحقيق التقدم.
وصف الباحث المتخصص في امتيازات النخب، جيفري وينترز، مستنداً إلى أعمال عالم الاجتماع ماكس فيبر، ملامح الأوليغارشية «السلطانية»، على غرار أنظمة السلاطين في العصور القديمة؛ إذ يمكن لرأس هذه الأوليغارشية، حتى بالنسبة إلى الأثرياء جداً، أن «يصنعك أو يحطمك».
عندما وضع وينترز كتابه عن تاريخ الأوليغارشية عام 2011، أخبرني أنه كان ينظر إلى روسيا في عهد فلاديمير بوتين بوصفها نموذجاً للسلطوية الحديثة. أما اليوم، فيرى أن هذه النزعات باتت أقرب إلى واقعه.
تُقدّر ثروة ترامب حالياً بنحو 7 مليارات دولار، ويعود جانب كبير منها إلى صفقات العملات المشفرة التي تبدو مثيرة للريبة إلى حد يصعب تصديقه. كما قفزت ثروة ابنه إريك عشرة أضعاف في مرحلة من المراحل، وفق تقديرات مجلة «فوربس». وتمكنت شركة رأس المال الاستثماري التابعة لدونالد ترامب الابن من الوصول إلى بعض أكثر الفرص ربحية في وادي السيليكون، ما ساهم في رفع عوائد صندوقها الاستثماري الرئيسي إلى نحو 200 في المئة.
لا تزال الثروة قادرة على شراء النفوذ السياسي، كما كان الحال في النسخة السابقة من حكم الأقلية. لكن الفارق اليوم يتمثل في تدفق هائل للأموال في الاتجاه المعاكس: فالسلطة السياسية، أو حتى مجرد القرب منها، باتت تولّد ثروات لم يشهد التاريخ الأمريكي الحديث مثيلاً لها.
لقد أصبحت عائلة ترامب، التي كانت منبوذة من شريحة واسعة من كبار المسؤولين التنفيذيين، في صدارة المشهد، وتمارس نفوذاً هائلاً على مشاريع في قطاعات شتى، من العملات الرقمية والذكاء الاصطناعي إلى المعادن النادرة والحوسبة الكمومية والطائرات المسيّرة والطاقة النووية.
ولا يخفى أن استثمارات ترامب هذه تأتي غالباً مصحوبة بمزايا إضافية. خذ، على سبيل المثال، سوق التنبؤات «كالشي»، الذي يشغل دونالد ترامب الابن منصب مستشار فيه. فعندما حاول المدعي العام لولاية نيويورك إيقاف عمليات الشركة في الولاية، تدخلت إدارة ترامب لإنقاذها، وأمرت الشركة بمواصلة العمل.
أو انظر إلى مؤسسة «فيوتشر إندستريز»، وهي شركة للروبوتات الشبيهة بالبشر يدعمها إريك ترامب. فقد فازت الشركة، في ربيع هذا العام، بعقد قيمته 24 مليون دولار مع وزارة الدفاع الأمريكية، لمواصلة تطوير جنود مدعومين بالذكاء الاصطناعي. وبذلك أصبحت واحدة من مجموعة شركات مرتبطة بترامب، تشكل الحكومة الأمريكية عميلها الرئيسي. ولا يحتاج الأمر إلى كثير من التوضيح لمعرفة الجهة المسؤولة عن ذلك.
يقول أفراد عائلة ترامب إنهم مجرد مستثمرين أذكياء. ويؤكد ممثلوهم أنهم لا يروجون لشركاتهم لدى الحكومة، وأن تلك الشركات لم تحصل على معاملة تفضيلية من الإدارة. وربما كان ذلك صحيحاً. لكن الواضح أن الأخوين ترامب لا يكترثان كثيراً بالقلق بشأن تداخل المنصب العام مع المصالح الخاصة.
ففي منتدى استثماري عُقد في الرياض، بالمملكة العربية السعودية، العام الماضي، قال دونالد ترامب الابن: «نحن نفهم ما تريد الإدارة فعله، لأننا ساهمنا في صياغة بعض هذه الرسائل».
وفي بيان، رفض آلان غارتن، نائب الرئيس التنفيذي لمنظمة ترامب، بشدة فكرة استفادة أي من أفراد العائلة على نحو غير مشروع، مشيراً إلى أن المنظمة قائمة منذ عقود، وأن دونالد الابن وإريك كانا يعملان بنشاط على تطوير المشاريع والسعي وراء الاستثمارات وبناء العلاقات التجارية، قبل دخول والدهما البيت الأبيض بسنوات.
وليس أبناء الرئيس وحدهم من ينتمون إلى الطبقة الحاكمة الجديدة في واشنطن. فقد أبرمت شركة الاستثمار التابعة لجاريد كوشنر مؤخراً صفقة بقيمة 55 مليار دولار مع صندوق الثروة السيادي السعودي. كما استفاد أليكس وزاك ويتكوف، ابنا مبعوث البيت الأبيض ستيف ويتكوف، من صفقات ضخمة مع رئيس جهاز الاستخبارات الإماراتي، عبر منصة «وورلد ليبرتي فاينانشال» لتداول العملات الرقمية، التي يديرانها مع أفراد من عائلة ترامب.
وفي الوقت نفسه، حقق براندون وكايل لوتنيك، ابنا وزير التجارة الأمريكي، إيرادات قياسية في شركة عائلتهما المالية. كما حصلت شركة استشارية تشارك فيها ابنة رئيس موظفي البيت الأبيض على عقود مربحة من حكومة في منطقة البلقان موالية لروسيا.
ويُقال إن ترامب ينزعج عندما يحاول المقربون منه استغلال علاقتهم به لتحقيق مكاسب مالية. وقد نُقل عنه مراراً قوله: «هذه أموالي!»، مع اختلافات في بعض الروايات تتضمن أحياناً كلمة نابية.
يصف خصوم ترامب السياسيون هذه الممارسات بأنها فساد صريح. لكن صعود هؤلاء المقربين يُفهم على نحو أفضل باعتباره جزءاً من نمط جديد للرأسمالية الأمريكية؛ نمط يحوّل التشابكات التي كنا نعدّها سابقاً تضارباً في المصالح إلى قواعد تشغيل أساسية، ثم يسوّق هذه العلاقة الوثيقة للمستثمرين الأفراد سعياً إلى تحقيق مزيد من المكاسب.
يتجاوز الأمر الصورة التقليدية لاستغلال النفوذ، حين يسعى شخص إلى كسب ود مسؤول حكومي. ففي هذه الحالة، أصبح النفوذ جزءاً مدمجاً في النظام نفسه، وكأن العائلة والحكومة الفيدرالية وجهان لعملة واحدة.
ورداً على أسئلة صحيفة «نيويورك تايمز»، كتبت آنا كيلي، نائبة السكرتير الصحفي للبيت الأبيض: «لا يتصرف الرئيس ترامب إلا بما يخدم مصلحة الشعب الأمريكي، ولهذا أعاد انتخابه الأمريكيون بأغلبية ساحقة، رغم سنوات من الأكاذيب والاتهامات الباطلة الموجهة إليه وإلى شركاته من وسائل الإعلام المضللة». وأضافت: «لا يوجد أي تضارب في المصالح».
إذا فاز الديمقراطيون بأحد مجلسي الكونغرس أو كليهما في انتخابات التجديد النصفي الأسبوع المقبل، فإنهم يعتزمون التحقيق في هذه الصفقات. ويشارك النائب رو خانا بالفعل في تحقيق بشأن مزاعم التلاعب بالأسهم من جانب شركة مقرها برج ترامب. ويريد النائب جيمي راسكين بحث الكيفية التي تحولت بها شركة رأس المال الاستثماري التابعة لدونالد ترامب الابن، بين عشية وضحاها، من شركة تستثمر في «أسهم فاشلة تماماً» إلى «الشركة الأبرز في الولايات المتحدة».
وقد وصف محامو الشركة، في رسالة رداً على راسكين، هذا التوصيف بأنه «ليس مجرد وصف غير ملائم، بل يتناقض مع الحقائق المتاحة للجمهور».
هناك الكثير مما يستحق الفحص. وحتى لو تمكن المحققون من كشف جميع تفاصيل هذه العملية التي يُشتبه في أنها أخلّت بنزاهة السوق العالمية، فسيظل ذلك مجرد المثال الأبرز على كيفية إعادة النخب الحاكمة تشكيل قطاعي الأعمال والسياسة في الولايات المتحدة. فقد أُتيحت لهذه النخب سنوات لتوسيع مصالحها التجارية وربطها على نحو وثيق بمصالح الحكومة. وسيغادر ترامب منصبه في نهاية المطاف، لكن آثار هذه المرحلة قد تستمر فترة أطول بكثير.
لم تكن هذه هي الخطة دائماً. ففي أواخر عام 2024، كان آل ترامب وحلفاؤهم يتبعون نهجاً معاكساً تماماً، محاولين الاستفادة من كونهم خارج النظام القائم.
زعموا أن اليسار مارس ضغوطاً على قطاعات واسعة من الشركات الأمريكية لحملها على تبني أجندته، وأن الإدارات الديمقراطية ضغطت على منصات التواصل الاجتماعي لتصنيف آراء مؤيدي ترامب باعتبارها معلومات مضللة. كما أغلق أحد البنوك مئات الحسابات المرتبطة بترامب بعد الاشتباه في غسل الأموال، وأدان قاضٍ الشركة العائلية بتهمة الاحتيال.
كل ذلك فتح أمامهم آفاقاً جديدة. فبحسب روايتهم، تمكن حلفاء ترامب، بعد استبعادهم من التيار السائد في عالم الشركات، من بناء ما أطلق عليه المستثمر أوميد مالك اسم «الاقتصاد الموازي»؛ وهو اقتصاد لا يكترث كثيراً بشهر الفخر، أو احتجاز الكربون، أو إلزامية التطعيم.
وساعد مالك ودونالد ترامب الابن في طرح شركة «بابليك سكوير» للاكتتاب العام، وهي شركة قدمت نفسها بوصفها بديلاً مؤيداً لترامب عن «أمازون»، ومنصة تتيح للشركات ذات التوجهات المتشابهة تسويق منتجاتها للجمهور الأمريكي المحافظ.
ومن بين هذه الشركات «غارنو»، وهي علامة تجارية للفوط الصحية النسائية روّجت لنفسها بعبارة «للفتيات فقط. خلال فترة الحيض»، إلى جانب شركة لمستلزمات الحيوانات الأليفة رفضت «تلبية احتياجات أنماط الحياة البديلة».
وكتب دونالد ترامب الابن على وسائل التواصل الاجتماعي: «حان الوقت للاستثمار في الشركات التي لا تكرهك».
نجحت الخطة، ليوم واحد تقريباً. فقد تضاعف سعر سهم «بابليك سكوير» بعد طرحه للاكتتاب العام، قبل أن ينهار. وبحلول ليلة الانتخابات عام 2024، كان السهم قد فقد 90 في المئة من قيمته مقارنة بأعلى مستوى بلغه.
وبحلول ذلك الوقت، لم يعد دونالد ترامب الابن ومالك غريبين عن الساحة السياسية، ولم تعد سياسة «الاقتصاد الموازي» ذات جدوى. فقد أصبح آل ترامب وحلفاؤهم في ذروة نفوذهم، وكان لا بد من تطوير الخطة، وفق ما أخبرني مصدر مطلع على الأمر، وهو واحد من 25 مصدراً تحدثت إليهم لإعداد هذا المقال.
انتقلوا إلى استراتيجية جديدة تقوم على استغلال مكانتهم بوصفهم أصحاب نفوذ مطلق. فأسس دونالد ترامب الابن ومالك وكريس بوسكيرك، وهو شخصية إعلامية محافظة وكاتب رأي سابق في «نيويورك تايمز»، نادياً خاصاً في حي جورج تاون، وأعلنوا أن رسوم العضوية تبلغ 500 ألف دولار. وكان الاسم معبّراً تماماً: «السلطة التنفيذية».
ورحبت شركة «1789 كابيتال»، وهي شركة لرأس المال المخاطر أسسها مالك مع بوسكيرك، وتدعمها ريبيكا ميرسر، إحدى أبرز ممولي اليمين المتطرف، رسمياً بانضمام دونالد ترامب الابن شريكاً إليها، مباشرة بعد الانتخابات.
وارتفعت الأصول التي تديرها الشركة من 150 مليون دولار إلى أكثر من 1.7 مليار دولار بحلول نهاية عام 2025. وجاء جانب من هذه الأموال من مكاتب إدارة الثروات العائلية للأفراد ذوي الملاءة المالية المرتفعة، ومن صناديق الثروة السيادية في الشرق الأوسط.
وربط بوسكيرك مشاريعه، بما فيها شركة «1789»، صراحةً بصعود طبقة حاكمة جديدة. وقال لصحيفة «واشنطن بوست»
التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *