أعلن التحالف بقيادة السعودية تدمير أنفاق لتخزين الصواريخ الباليستية ومنصات إطلاق ومخزن للصواريخ في اليمن، عقب اعتراض صاروخ أُطلق باتجاه الرياض. وتفتح العملية مرحلة جديدة من المواجهة على البنية العسكرية للحوثيين، لكن أثرها الفعلي في قدرتهم على مواصلة الهجمات لا يزال غير محسوم.
أعلن تحالف دعم الشرعية في اليمن، الاثنين، تنفيذ عملية عسكرية استهدفت منشآت صاروخية ومواقع عسكرية تابعة لجماعة الحوثيين في مناطق خاضعة لسيطرتها، وذلك بعد اعتراض الدفاعات الجوية السعودية صاروخاً باليستياً أُطلق باتجاه الرياض في الساعات الأولى من اليوم.
وقال المتحدث باسم التحالف، اللواء الركن تركي المالكي، إن العملية شملت تدمير خمسة أنفاق لتخزين الصواريخ الباليستية، وأربع منصات لإطلاقها، ومخزن للصواريخ، إلى جانب استهداف خطوط إمداد وتحصينات وتجمعات عسكرية وعتاد للجماعة على جبهات القتال داخل اليمن. وأكد أن العملية، بحسب بيان التحالف، تهدف إلى تحييد مصادر التهديد وحماية المدنيين والأعيان المدنية.
وفي تطور لاحق، أعلنت قيادة التحالف تدمير منصتين لإطلاق الصواريخ الباليستية في صنعاء، موضحة أن إحداهما استُخدمت في إطلاق الصاروخ باتجاه الرياض. وقال المالكي إن العمليات الرامية إلى تفكيك شبكة الصواريخ الباليستية الحوثية مستمرة.
وتتفق هذه التفاصيل مع ما أوردته وكالة الأنباء السعودية «واس» ووكالة «أسوشيتد برس»، فيما أفادت «الجزيرة» بأن العملية استهدفت أيضاً خطوط الإمداد ومخازن الصواريخ. لكن تفاصيل الأهداف والنتائج المعلنة تستند أساساً إلى بيانات التحالف، ولم تتوافر حتى الآن معلومات مستقلة كافية للتحقق من حجم الأضرار التي لحقت بكل منشأة.
استهداف المنظومة لا الصاروخ وحده
تكمن أهمية العملية، وفق الأهداف التي أعلنها التحالف، في أنها لا تقتصر على الرد على إطلاق صاروخ منفرد، بل تستهدف عناصر من المنظومة التي تتيح تخزين الصواريخ وتجهيزها وإطلاقها. فالأنفاق والمخازن يمكن أن توفر حماية للمعدات العسكرية وتساعد على إخفائها، بينما تمثل منصات الإطلاق جزءاً أساسياً من القدرة على تنفيذ الهجمات.
لكن تدمير منشآت محددة لا يعني بالضرورة تفكيك الشبكة الصاروخية بكاملها. فتقدير الأثر العسكري يتطلب معرفة حجم المخزون المتبقي، وعدد المنصات العاملة، ومدى قدرة الجماعة على نقل المعدات أو إصلاحها أو استبدالها، وهي معلومات لا تكشفها البيانات المعلنة حتى الآن.
وتشير الضربة المعلنة لمنصتين في صنعاء، إحداهما قال التحالف إنها استُخدمت في الهجوم على الرياض، إلى محاولة ربط الرد العسكري بمصدر التهديد المباشر. غير أن قياس نجاح هذه المقاربة يتوقف على ما إذا كانت ستحد من قدرة الحوثيين على تكرار الهجمات، وليس على عدد الأهداف المعلن تدميرها وحده.
الردع السعودي واختبار القدرة على الاستمرار
تحمل العملية رسالة مفادها أن إطلاق الصواريخ باتجاه السعودية قد يقابله استهداف مواقع عسكرية مرتبطة بالهجمات. ومن منظور الردع، تسعى هذه المقاربة إلى رفع كلفة الهجمات على الجماعة الحوثية، عبر استهداف البنية التي تحتاج إليها لمواصلة عملياتها.
لكن الردع لا يتحقق بمجرد تنفيذ ضربة عسكرية؛ إذ يعتمد أيضاً على قدرة الطرف المستهدف على تعويض خسائره، وعلى حساباته بشأن مواصلة التصعيد، وعلى حجم الأضرار التي يمكن أن تلحق بقدراته العملياتية. لذلك لا يمكن الجزم، في هذه المرحلة، بأن العملية ستمنع هجمات جديدة أو ستغيّر مسار المواجهة.
ويأتي التصعيد في سياق اتساع المواجهة بين الحوثيين والسعودية خلال الأسابيع الأخيرة. وذكرت «الجزيرة» أن الجماعة كثفت هجماتها على مطارات ومنشآت سعودية، فيما استمرت التحذيرات الحوثية المتعلقة بمطار الملك خالد الدولي في الرياض. ويزيد هذا السياق من أهمية حماية البنية التحتية المدنية، لكنه يجعل تقييم نتائج كل عملية على حدة ضرورياً لتجنب الخلط بين الأهداف العسكرية المعلنة والنتائج الاستراتيجية التي لم تتضح بعد.
أمن الملاحة والطاقة.. ارتباط إقليمي لا نتيجة مباشرة
يمتد تأثير التصعيد في اليمن إلى حسابات الأمن الإقليمي، بالنظر إلى موقع البلاد قرب مضيق باب المندب، أحد الممرات المهمة للتجارة البحرية العالمية. كما أن استمرار الهجمات عبر الحدود يضيف مخاطر على حركة النقل والبنية التحتية، ويزيد حساسية الأسواق تجاه تطورات المنطقة.
ومع ذلك، لا تعني الضربة الأخيرة، بحد ذاتها، حدوث تغير مباشر في أمن الملاحة أو تدفقات الطاقة. فهذه النتائج تتوقف على طبيعة الهجمات اللاحقة ومواقعها، وعلى ما إذا كان التصعيد سيمتد إلى الممرات البحرية أو المنشآت المرتبطة بالطاقة. ومن ثم، فإن الصلة بين العملية وأمن التجارة الدولية تظل سياقاً استراتيجياً أوسع، لا نتيجة مثبتة للعملية الحالية.
القانون الدولي وحماية المدنيين
قال التحالف إن العملية نُفذت بما يتوافق مع القانون الدولي الإنساني وقواعده العرفية، وإنها تستهدف حماية المدنيين في السعودية واليمن. ويظل هذا التوصيف موقفاً رسمياً صادراً عن الجهة المنفذة، ولا يكفي وحده للحكم على قانونية كل ضربة.
ويتطلب تقييم أي عملية عسكرية النظر في طبيعة الهدف المستهدف، والاحتياطات المتخذة لتقليل الضرر على المدنيين، والتناسب بين الضرر المدني المتوقع والميزة العسكرية المتوقعة. كما أن حماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين تظل اعتباراً أساسياً في تقييم نتائج العمليات، إلى جانب حماية المدنيين داخل السعودية من الهجمات العابرة للحدود.
ماذا بعد؟
يتوقف الأثر الفعلي للعملية على قدرة التحالف على تعطيل سلسلة تخزين الصواريخ ونقلها وتجهيزها وإطلاقها، وعلى قدرة الحوثيين على تعويض المنشآت والمنصات التي قال التحالف إنه دمرها. وقد يؤدي استهداف هذه المكونات إلى زيادة كلفة الهجمات أو تأخير تنفيذها، لكن تحديد حجم هذا التأثير يحتاج إلى معلومات إضافية ومتابعة التطورات الميدانية.
وفي المقابل، لا يستبعد استمرار المواجهة محاولات إطلاق صواريخ جديدة أو تنفيذ ضربات متبادلة، خصوصاً إذا لم تتراجع دوافع التصعيد لدى الأطراف. لذلك ستتمثل المؤشرات الأهم خلال الأيام المقبلة في تكرار الهجمات من عدمه، وأي بيانات موثوقة عن الأضرار العسكرية، ومدى امتداد المواجهة إلى مواقع أخرى.
ما وراء الخبر
التحول الأبرز في العملية المعلنة هو التركيز على مكونات شبكة الصواريخ، من التخزين إلى الإطلاق والإمداد، بدلاً من الاكتفاء باعتراض المقذوفات بعد إطلاقها. لكن تدمير أهداف معلنة لا يساوي تلقائياً تفكيك المنظومة؛ فالحكم على النجاح يتطلب قياس قدرة الحوثيين على مواصلة الهجمات بعد الضربات.
زاوية اليوم ميديا
الاختبار الحقيقي ليس عدد الأنفاق والمنصات التي يقول التحالف إنه دمرها، بل ما إذا كانت العملية ستقلل فعلياً من وتيرة الهجمات وخطورتها على المدنيين. وبين إعلان عسكري ونتيجة استراتيجية، تبقى الأدلة الميدانية والتطورات اللاحقة هي المعيار الأهم لتقدير ما إذا كان التصعيد سيعيد رسم قواعد المواجهة أم سيضيف جولة جديدة إليها.






التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *