
تبدو الأيام حبلى بالتحولات منذ أكثر من أسبوعين على بدء الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، فيما تقف تركيا في قلب عاصفة إقليمية تحاول تفادي الانجراف إليها. تتزاحم الأسئلة حول موقف أنقرة، خصوصًا أن التصعيد سبقته إشارات إسرائيلية تتحدث عن تشكّل محور إقليمي جديد، ما وضع تركيا ضمن الحسابات المباشرة للصراع، حتى قبل أن تتضح معالمه.
ومع استهداف صواريخ إيرانية قواعد أمريكية في مناطق تركية — وهو ما نفته طهران — وجدت أنقرة نفسها أمام اختبار دقيق: كيف تحمي أمنها دون أن تتحول إلى طرف مباشر في الحرب؟ هذه المعادلة الصعبة دفعت تركيا إلى تبني سياسة دقيقة تقوم على رفض التصعيد مع التأكيد على الجاهزية الدفاعية، في محاولة للحفاظ على موقعها كوسيط محتمل بدل أن تصبح ساحة مواجهة.
منذ اللحظة الأولى، سعت تركيا إلى التوسط لتفادي الحرب، لكن تسارع الأحداث جعلها تتعامل مع واقع جديد: مواجهة إقليمية مفتوحة قد تمتد تداعياتها إلى حدودها المباشرة. لذلك تبنّت أنقرة خطابًا مزدوجًا؛ حمّلت إسرائيل والولايات المتحدة مسؤولية التصعيد، وفي الوقت ذاته أدانت الضربات الإيرانية في دول الخليج وأذربيجان، محاولةً الحفاظ على توازن دبلوماسي يسمح لها بالبقاء على مسافة واحدة من جميع الأطراف.
غير أن هذا الحياد لا يخلو من القلق. فتركيا تدرك أن استمرار الحرب قد يجرّها تدريجيًا إلى قلب الصراع، خاصة في ظل التداخل الأمني والاقتصادي مع إيران، والارتباطات المعقدة مع الولايات المتحدة وحلف الناتو.
تاريخيًا، لم تكن العلاقة بين تركيا وإيران تحالفًا ثابتًا ولا خصومة مفتوحة. فهي علاقة تتأرجح بين التعاون والمنافسة، تحكمها الجغرافيا والاقتصاد. إيران شريك تجاري مهم ومصدر رئيسي للغاز، كما تمثل سوقًا سياحية مؤثرة للاقتصاد التركي.
لكن في حسابات أنقرة، فإن إيران ضعيفة أفضل من إيران منهارة. فسيناريو انهيار النظام الإيراني يثير مخاوف كبيرة، أبرزها تفكك الدولة واندلاع حرب أهلية قد تفتح الباب أمام موجات لجوء ضخمة نحو الأراضي التركية. هذه المخاوف ليست نظرية، إذ تستضيف تركيا بالفعل ملايين اللاجئين، وأي موجة جديدة قد تشكل ضغطًا اقتصاديًا وسياسيًا داخليًا كبيرًا.
ولا يتوقف القلق عند اللاجئين الإيرانيين، فإيران تستضيف ملايين الأفغان الذين قد يتجهون بدورهم نحو تركيا ثم أوروبا، ما يضع أنقرة في موقع البوابة الأولى لأزمة إنسانية واسعة.
أحد أكثر المخاوف حساسية لدى تركيا يتمثل في الملف الكردي. فالحرب على إيران قد تخلق فراغًا أمنيًا يسمح بعودة نشاط الجماعات الكردية المسلحة، خصوصًا في ظل تقارير عن دعم محتمل لبعض هذه الجماعات. هذه المعادلة تعيد إلى الأذهان تجارب سابقة حين أدى انهيار السلطة في شمال العراق إلى تعزيز وجود حزب العمال الكردستاني.
ورغم دعوات سابقة لوقف العمل المسلح، فإن أنقرة لا تزال تنظر بحذر إلى أي تطورات قد تمنح الأكراد فرصة جديدة لإعادة تنظيم صفوفهم، خاصة إذا طال أمد الحرب وتراجعت السيطرة المركزية في إيران.
التحولات الإقليمية دفعت بعض الدوائر الإسرائيلية إلى النظر إلى تركيا بوصفها المنافس التالي بعد إيران. هذا التصور يعكس تغيرًا في ميزان القوى، حيث تسعى أنقرة إلى توسيع نفوذها الإقليمي، في مقابل استراتيجية إسرائيلية تقوم على تفتيت التوازنات الإقليمية.
ومع تدهور العلاقات بين البلدين منذ أحداث غزة، ارتفع مستوى التوتر السياسي، وبرزت تصريحات حادة من الطرفين، ما عزز الحديث عن مواجهة غير مباشرة محتملة في ساحات إقليمية مثل سوريا والعراق.
تتحرك تركيا اليوم على خيط رفيع. فهي تسعى إلى تجنب التصعيد، لكنها في الوقت ذاته تستعد لكل الاحتمالات. توسع الحرب قد يضر شركاءها التجاريين في العراق وسوريا، بينما انتصار إسرائيلي كامل قد يفرض على أنقرة إعادة تقييم استراتيجيتها الأمنية.
في المقابل، يبقى احتمال المواجهة المباشرة ضعيفًا، نظرًا لعضوية تركيا في حلف الناتو، إلا أن المواجهة غير المباشرة تبقى مطروحة عبر صراعات النفوذ الإقليمية.
في النهاية، تبدو أنقرة كمن يدير لعبة توازن دقيقة: تريد إيران ضعيفة لكنها لا تريد انهيارها، تخشى اللاجئين لكنها ترفض الحرب، وتحاول الحفاظ على نفوذها دون مواجهة مباشرة. ومع استمرار التصعيد، قد تجد تركيا نفسها مضطرة لاتخاذ قرارات أكثر صعوبة، في لحظة قد تعيد رسم خريطة الشرق الأوسط بالكامل.
لندن – محمود الكيلاني

لطالما ارتبط اسم محمود أحمدي نجاد، الرئيس الإيراني الأسبق، بخطاب العداء الحاد تجاه إسرائيل والغرب، إلا أن تطورات استخباراتية غير مسبوقة كشفت عن فصل مختلف تماماً في مسيرته السياسية؛ فصل يتحدث عن محاولات إسرائيلية استمرت سنوات لتحويل الرجل الذي وصف يوماً بأنه أحد أبرز خصومها إلى ورقة داخلية يمكن استخدامها في مشروع تغيير النظام الإيراني. [...]

تواجه المبادرة الأميركية الجديدة لإنهاء الانسداد السياسي في ليبيا أول اختبار حقيقي لها، بعدما اصطدمت برفض من أحد أهم مراكز النفوذ في غرب البلاد، حيث أعلن المجلس العسكري لمدينة مصراتة رفضه التصور الذي يحمله المبعوث الأميركي الخاص للشؤون الإفريقية مسعد بولس لإعادة ترتيب المشهد السياسي الليبي. وجاء موقف مصراتة بمثابة رسالة سياسية قوية، بعدما أعلن [...]

**رغم أكثر من ثلاثة عقود من بناءالمؤسسات والاستقرار النسبي، ما تزال أرض الصومال تواجه معضلة الاعتراف الدولي؛ إذ تصطدم شرعية الداخل بحسابات السياسة الدولية ومصالح القوى الإقليمية** منذ أن أعلنت أرض الصومال انفصالها عن الصومال عام 1991، سعت إلى تقديم نفسها باعتبارها نموذجًا مختلفًا في منطقة القرن الأفريقي؛ نموذجًا يقوم على بناء المؤسسات، وإدارة الخلافات [...]

في مشهد غير مألوف منذ عام 2003، استفاق العراقيون فجر الأحد 28 يونيو على تحركات أمنية غير اعتيادية داخل العاصمة بغداد. أرتال من جهاز مكافحة الإرهاب تحركت بصمت نحو “المنطقة الخضراء”، حيث تُحكم المفاصل السياسية والأمنية الأكثر حساسية في البلاد، لتغلق منافذها وتطلق عملية وُصفت بأنها الأوسع والأكثر سرية في تاريخ العراق الحديث. لم تكن [...]

لم تعد العلاقات الأمريكية الإسرائيلية بمنأى عن المتغيرات التي يشهدها النظام الدولي، ولا عن التحولات العميقة التي تعصف بالمشهد السياسي داخل الولايات المتحدة. فبعد عقود من الدعم شبه المطلق لتل أبيب، برزت ملامح نقاش سياسي وفكري أكثر اتساعًا داخل واشنطن بشأن طبيعة هذا التحالف، وحدوده، ومدى اتساقه مع المصالح الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط. ورغم [...]

في وقت لا تزال فيه الأزمة الليبية تراوح مكانها بين الانقسام السياسي وتعثر المسار الانتخابي، أعاد لقاء وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو مع صدام حفتر في واشنطن تسليط الضوء على طبيعة الدور الأمريكي في ليبيا، وحدود تأثيره على توازنات المشهد الداخلي. ورغم أن اللقاء جاء في سياق دبلوماسي معلن يركز على “توحيد المؤسسات الليبية” ودعم [...]