
في لحظة إقليمية مشحونة بالتصعيد العسكري وتهديدات إغلاق مضيق هرمز، تأتي زيارة الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، إلى العاصمة الصينية بكين كخطوة تتجاوز البروتوكول، وتعكس إعادة رسم هادئة للتحالفات في منطقة تقف على حافة تحولات كبرى.
هذه الزيارة لا يمكن قراءتها بمعزل عن المشهد الأوسع، حيث يتقاطع التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران مع أدوار إقليمية متشابكة، من بينها إسرائيل، في صراع مفتوح تتجاوز تداعياته ساحاته التقليدية، ليطال أمن الطاقة العالمي واستقرار الممرات الحيوية.
في هذا السياق، تبدو التحركات الإماراتية أقرب إلى إعادة تموضع استراتيجي مدروس، يهدف إلى حماية المصالح الاقتصادية وتعزيز المرونة السياسية، في عالم يتجه نحو مزيد من الاستقطاب وعدم اليقين.
تعكس زيارة ولي عهد أبوظبي إلى بكين استمرارًا لمسار متصاعد من العلاقات الإماراتية–الصينية، التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى شراكة استراتيجية شاملة. غير أن توقيت هذه الزيارة يمنحها أبعادًا تتجاوز الاقتصاد، لتصبح جزءًا من معادلة توازن دقيقة بين الشرق والغرب.
الإمارات، التي نجحت في ترسيخ موقعها كمركز مالي ولوجستي عالمي، تدرك أن الحفاظ على هذا الموقع يتطلب تنويع الشركاء الدوليين، خاصة في ظل تصاعد التنافس بين الولايات المتحدة والصين. ومن هنا، تمثل بكين شريكًا استراتيجيًا محوريًا، ليس فقط بسبب ثقلها الاقتصادي، بل أيضًا لدورها المتنامي في سلاسل الإمداد العالمية ومبادراتها العابرة للحدود، وعلى رأسها “الحزام والطريق”.
هذا الانفتاح لا يعكس استبدال شريك بآخر، بل يعبر عن رؤية إماراتية قائمة على بناء شبكة علاقات متعددة، تتيح لها الاستفادة من التحولات الدولية بدل الارتهان لها.
في موازاة هذه الزيارة، تكتسب تصريحات أنور قرقاش حول “إعادة تقييم الحلفاء” أهمية خاصة، إذ تعكس تحولًا في التفكير الاستراتيجي الإماراتي، من الاعتماد على تحالفات تقليدية إلى تبني نهج أكثر براغماتية ومرونة.
هذا التوجه يأتي استجابة لتحولات عميقة في البيئة الدولية، حيث لم تعد التحالفات ثابتة، بل باتت خاضعة لمعادلات المصالح والموثوقية. ومن هذا المنطلق، تسعى الإمارات إلى إعادة قراءة خريطة علاقاتها، وتحديد الشركاء القادرين على دعم استقرارها الاقتصادي والأمني على المدى الطويل.
لا يمكن فهم هذا التحول دون التوقف عند الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، والتي شكلت نقطة تحول في معادلات الأمن الإقليمي. فهذه الحرب، التي بدأت بضربات عسكرية وتطورت إلى مواجهات متعددة المستويات، لم تبقَ محصورة في نطاق جغرافي محدد، بل امتدت تداعياتها إلى عمق الخليج.
وقد شهدت المرحلة الماضية تصعيدًا لافتًا، تخللته هجمات استهدفت بنى تحتية حيوية، من موانئ ومنشآت لوجستية ومطارات، بحسب تقارير دولية وإعلامية، في سياق اتهامات متبادلة حول المسؤولية، وفي ظل تصاعد نمط “الحروب الهجينة” التي تعتمد على الضربات غير المباشرة والرسائل الاستراتيجية.
هذه التطورات، حتى وإن كانت محدودة من حيث الأثر المباشر، إلا أنها حملت دلالات عميقة، أبرزها أن دول الخليج لم تعد بمنأى عن تداعيات الصراعات الكبرى، وأن الأمن الاقتصادي بات جزءًا لا يتجزأ من معادلة الأمن القومي.
بالنسبة للإمارات، التي بنت نموذجها التنموي على الاستقرار والانفتاح، فإن هذه التطورات تمثل تحديًا حقيقيًا. فاستهداف البنى التحتية الحيوية، أو حتى التهديد بها، يعيد طرح تساؤلات جوهرية حول كيفية حماية المكتسبات الاقتصادية في ظل بيئة أمنية متقلبة.
وفي الوقت نفسه، تدرك أبوظبي أن الانخراط المباشر في صراعات مفتوحة ليس خيارًا مستدامًا، ما يدفعها إلى تبني سياسات أكثر توازنًا، تقوم على خفض التصعيد، وتعزيز الشراكات الاقتصادية، وتوسيع هامش المناورة الدبلوماسية.
يبقى مضيق هرمز أحد أبرز نقاط التوتر في هذا المشهد، إذ يمثل شريانًا حيويًا لتدفقات الطاقة العالمية، وورقة ضغط استراتيجية في الصراع بين واشنطن وطهران. ومع تصاعد التهديدات بإغلاقه أو فرض قيود على الملاحة فيه، تتزايد المخاوف من تداعيات اقتصادية واسعة.
بالنسبة للإمارات، يشكل المضيق تحديًا مزدوجًا: فهو مسار حيوي للصادرات، وفي الوقت ذاته نقطة هشاشة في حال تصاعد الصراع. وقد دفعت هذه المعادلة الدولة إلى الاستثمار في بدائل استراتيجية، مثل تطوير موانئ خارج المضيق وتعزيز البنية التحتية اللوجستية.
أدى التصعيد الإقليمي إلى ارتفاع أسعار النفط، ما يمنح الدول المنتجة مكاسب قصيرة الأجل، لكنه يهدد في الوقت نفسه استقرار الاقتصاد العالمي. وبالنسبة للإمارات، التي تسعى إلى تنويع اقتصادها، فإن التحدي يكمن في تحقيق التوازن بين الاستفادة من هذه المكاسب والحفاظ على بيئة استثمارية مستقرة.
وفي هذا السياق، قد تفتح الأزمة فرصًا جديدة، خاصة في مجالات الطاقة البديلة والتكنولوجيا، حيث تسعى الإمارات إلى تعزيز موقعها كمركز إقليمي للابتكار.
في ظل هذا المشهد المعقد، تبدو الإمارات أمام معادلة دقيقة: كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه تعزز علاقاتها مع الصين، دون الانخراط في صراع المحاور؟
الإجابة تكمن في تبني سياسة خارجية مرنة، تقوم على تنويع الشراكات، وتعزيز الاستقلالية في القرار، والفصل بين المسارات الاقتصادية والأمنية، بما يخدم المصالح الوطنية.
في المحصلة، تعكس زيارة ولي عهد أبوظبي إلى الصين، بالتوازي مع تصريحات إعادة تقييم الحلفاء، إدراكًا عميقًا بأن العالم يدخل مرحلة جديدة، تتسم بتراجع اليقين وتصاعد التنافس بين القوى الكبرى.
وفي مواجهة هذا الواقع، تسعى الإمارات إلى إعادة تعريف دورها كقوة اقتصادية مرنة، قادرة على التكيف وبناء شراكات متعددة، تحمي مصالحها في بيئة دولية مضطربة.
وفي عالم يتجه نحو صراعات مفتوحة وتحالفات متغيرة، قد لا يكون السؤال من هم حلفاء الإمارات اليوم، بل من سيكونون حلفاءها غدًا.
لندن – سامي عبد الرحمن الكعبي

في خضم التصعيد غير المسبوق الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط، لم تكن سلطنة عُمان تتوقع أن تجد نفسها فجأة في قلب العاصفة السياسية والإعلامية، بعدما وجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تهديداً صادماً باستهدافها، رغم أنها تعد واحدة من أقدم الحلفاء التقليديين لواشنطن في الخليج. في البداية، ظن الجميع أن ترامب زلّ لسانه وأن إيران هي [...]

يقدّم التحليل المنشور في “ناشونال إنترست” قراءة تتجاوز اللحظة العسكرية المباشرة للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ليدخل في سؤال أعمق يتعلق بإعادة تشكيل بنية الأمن الإقليمي في الخليج، وحدود الاعتماد على الولايات المتحدة، وإمكانية الانتقال إلى نموذج “الاعتماد الذاتي” أو “الأمن المُشترك” بين دول الخليج. الفرضية المركزية التي ينطلق منها النص هي أن الحرب الأخيرة [...]

في قلب شبكة معقدة تمتد من بنغازي إلى دبي ومالطا ولندن، يبرز اسم أحمد جاد الله بوصفه أحد أكثر الشخصيات الليبية إثارة للجدل خلال السنوات الأخيرة. رجل الأعمال الليبي، الذي يعيش حياة مترفة بين الطائرات الخاصة والفنادق الفاخرة، بات وفق تقارير دولية وأممية، لاعبًا محوريًا في شبكة مالية واقتصادية مرتبطة بمعسكر خليفة حفتر، وسط اتهامات [...]

بعد ثلاثة أشهر على بدء التصعيد العسكري الأمريكي ضد إيران، تبدو الصورة في الشرق الأوسط أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى، وسط تساؤلات متزايدة حول ما إذا كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يحقق تقدمًا حقيقيًا نحو أهدافه الاستراتيجية، أم أنه يواجه مأزقًا سياسيًا وعسكريًا متصاعدًا قد يعيد رسم ملامح النفوذ الأمريكي في المنطقة. ورغم ما [...]

في شرق الإمارات، وعلى امتداد الساحل المطل على بحر العرب والمحيط الهندي، تدور واحدة من أكثر المعارك الاقتصادية حساسية في الخليج، ليس بالسلاح هذه المرة، بل بالموانئ وخطوط الإمداد والشاحنات التي لا تتوقف. هناك، في مينائي الفجيرة وخورفكان، يتشكل المشهد الجديد للتجارة الخليجية بعد أن أصبح مضيق هرمز ساحة توتر مفتوحة تهدد حركة السفن وإمدادات [...]

لم تعد العلاقات بين دولة الإمارات العربية المتحدة وعدد من الدول العربية تُقرأ ضمن الإطار التقليدي للدبلوماسية العربية القائمة على التضامن السياسي أو الروابط التاريخية المشتركة، بل باتت جزءًا من مشهد إقليمي شديد التعقيد، تُعاد فيه صياغة موازين القوى والتحالفات منذ أكثر من عقد. فخلال السنوات الأخيرة، تحولت الإمارات من دولة خليجية عُرفت بالدبلوماسية الهادئة [...]