الرئيسية/آراء/رحيل بنعيسى الذي يظنُّ مَنْ يعرفه أنَّه صديقُه الحميم!
آراء

رحيل بنعيسى الذي يظنُّ مَنْ يعرفه أنَّه صديقُه الحميم!

لقطة الشاشة 2024-12-27 في 10.30.00 م
📸لقطة الشاشة 2024-12-27 في 10.30.00 م
اليوم ميديا

تركي الدخيل



كانَ رجلاً مختلفاً، لا يَعرفُ إلَّا أَنْ يَكونَ مِلءَ السَّمْعِ والبَصَرِ، أيّاً كَانَ الزَّمانُ والمَكانُ الذِي يَحِلُّ فِيهِمَا… وَبِالأمْسِ رَحَلَ عَنْ دُنْيَانَا، لَكِنَّهُ بِحُضُورِهِ الطَّاغِي، فِي حَيَاتِه وبَعْدَ مَمَاتِه، سَيبْقَى مِلْءَ السَّمْعِ وَالبَصَرِ، وَكَأَنَّهُ تَصْوِيرٌ عَمَلِيٌّ لِبَيْتِ أَبِي الطَّيّبِ المُتَنَبّي القَائِلِ:

وتَرْكُكَ في الدُّنْيَا دَوِيًّا كَأنَّمَا

تَدَاولُ سَمْعَ المَرْءِ أَنْمُلُهُ العَشْرُ

إنَّهُ وَزيرُ الخَارِجِيَّةِ المَغْرِبِيّ الأَسْبقُ، مُحمَّدُ بن عيسَى، الذِي تُوفِيَّ يومَ الجُمعَةِ المَاضِي، عَنْ 88 عَاماً، بَعدَ حَيَاةٍ حَافِلَةٍ بِحُضُورٍ سِيَاسِيّ لَافِتٍ، وتَأَلُّقٍ ثَقَافِيّ ثَابِتٍ، وَإنْسَانِيَّةٍ جَعَلَت الرَّاحِلَ شَخْصِيَّةً عَرَبِيَّةً تَحْظَى بِاحْتِرَامِ القَاصِي وَالدَّانِي، فِي المَجالَاتِ كَافَّةً، فقد كَانَ «له في كُلِّ عُرسٍ قُرص».

مِنَ المُفارقاتِ اللَّافتةِ وَاللَّطيفَةِ أَنَّ كلَّ مَنْ تَعَرَّفَ عَلَى مُحمَّد بن عيسَى اعْتَقَدَ أَنَّهُ صَدِيقُهُ الحَمِيمُ، من فرطِ لُطفِ الفَقيدِ معَ الجَمِيعِ، وفائقِ تهذيبِه، وجوامعِ أدبِه، وسمَاحةِ نفسِه.

(سي بنعيسى)، كَمَا يَكتُبُ المَغَاربَةُ، وَيَلفِظُونَ، كَانَ وزيرَ الثَّقافةِ فِي المَغربِ، سبعَ سنواتٍ سِمانٍ، من 1985 إلى 1992.

مُنِحَ محمدُ بن عيسَى في عامِ 1993 جائزةً تمثَّلتْ في اختيارِ العَاهلِ المَغربي السَّابق المَلكِ الحَسنِ الثَّانِي، له ليكونَ سفيراً للمغربِ لدى الولاياتِ المتحدة. وجَرْيًا علَى عَادتِهِ في التَّميُّزِ، حَقَّقَ بن عيسَى نَجَاحاً بَاهراً أهَّلَهُ لتمثِيلِ بلادِه في واشنطن، العاصمةِ الأهمّ عَالميّاً؛ سبعَ سنواتٍ سمانٍ أخرَى.

كانتْ مكافأةُ بن عيسى علَى نَجَاحِه في مَهمَّتِهِ الأميركيةِ، تعيينَه في أبريل (نيسان) 1999 وزيراً للخَارجيةِ بالمغرب، واستمرَّ في المنصبِ حتى منتصف أكتوبر (تشرين الأول) 2007.

محمد بن عيسى كانَ أيقونةً في دعمِ المدينةِ الصَّغيرةِ الوَادعةِ التِي وُلدَ فيهَا، ويَنتمِي إليهَا، وهيَ مدينةُ (أصِيلة)، التِي تَرقدُ بِسَلَامٍ علَى سَاحلِ البَحرِ الأبيضِ المُتوسّط.

والحَقُّ أنَّ بن عيسى جعلَ من أصيلةَ، مركزاً حضارياً، وموئلاً للثقافةِ والفنونِ وحوارِ الحَضاراتِ، منذ أسَّسَ هو وصديقُه الفنانُ المَغربيُّ الرَّاحلُ مُحمَّدُ المليحي، قبلَ نحوِ نصفِ قرنٍ، مهرجانَ أصيلةَ الثَّقافي الدَّولي، الذِي يَحتضِنُ كلَّ عامٍ فعالياتٍ ثقافيةً وفنيَّةً وحضاريةً، أهَّلتْهُ ليكونَ واحداً من أهمّ المهرجاناتِ الثقافيةِ في العَالمِ العَربِي وأفريقيَا.

وإذَا كانتْ مدينةُ أصيلةَ حاضرةً على خارطةِ المغاربة، فلقدْ وضعَهَا بن عيسَى رحمه الله، علَى خَارطةِ الثَّقافةِ، لا عَربِيّاً فَحسبْ، بلْ عَالميّاً، حيثُ تَبنَّى مهرجانُ أصيلةَ الثقافيُّ الدوليُّ، حواراتٍ فكريةً، أسهمتْ فِي تعزيزِ المُشتركِ الإنسَانِي، والتَّقاربِ الفكريّ والمَعرفيّ بينَ الشُّعوبِ.

مهرجانُ أصيلةَ، كانَ الابنَ المُدَلَّلَ للفقيدِ، وكانَ يديرُه ويشرفُ علَى تَفاصيلِه كافةً، وسَخَّرَ مُحمَّد بن عيسَى علاقاتِه السّياسيةَ والثَّقافيةَ لخدمةِ أصيلة، ومهرجانِها الثَّقافي، فأصبحتْ بحقٍّ مركزَ إشعاعٍ فكريّ ومَعرفيّ.

ورغمَ تخلّيه عن مناصبِه السّياسيةِ فِي آخرِ حياتِه، إلَّا أنَّه لم يَتخلَّ عن رئاسةِ بلديةِ أصيلةَ التِي يشغلُها منذ أنْ فازَ بهَا في الانتخابِ عام 1983 وبَقيَ يتولَّى هذه المسؤوليةَ حتى رحِيلِه، رَحمه الله.

وَتَحمِلُ حياةُ الفقيدِ جوانبَ لطيفةً مختلفةً، فهوَ علَى غيرِ العَادةِ وصلَ إلى وزارةِ الخارجيةِ المغربيةِ من بوَّابةِ الصّحافة، التِي قادَهُ عشقُه لهَا إلَى الرّحلةِ في طلبِ العِلمِ مبكراً، إذ سافرَ وهوَ ابنُ 16 ربيعاً إلى الإسكندريةِ لدراسةِ الصِّحافة. وفي عام 1961 نالَ منحةً للدّراسةِ الجامعيةِ في الولاياتِ المتحدة، حصلَ من خلالِها على بكالوريوس في الصّحافةِ من جامعةِ مينيسوتا عام 1963.

وكمَا لو كانتِ الفرانكفونية هي خيارَ المغاربةِ الوحيد، طوَى ابن عيسَى تحتَ ذراعة فرانكفونيته التي حازهَا رضاعةً، وأضافَ إليهَا الأنغلوسكسونيةَ التي كانتْ من معالمِ تَميُّزِه فِي المغرب.

ومِن لَطائفِ حياة ابنِ عيسى ومفارقاتِهَا أنَّ شغفَه قادَهُ ليسافرَ فِي رحلةٍ صحافيةٍ عامَ 1961، إلى الكويت (استقلَّتِ الكويت في 19 يونيو/حزيران 1961)، حيث أجرَى مقابلاتٍ صحافيةً مُهمَّةً، كانَ أبرزُها معَ الشَّيخ صباح الأحمدِ الجابرِ الصباح (أميرِ الكويت الرَّاحل)، الذِي كَانَ يتولَّى (حينَها) رئاسةَ دائرةِ المَطبوعاتِ والنَّشر (نواةِ وِزارةِ الإعلامِ بعد تشكيلِ مجلسِ الوزراء في 1962).

والمفارقة أنَّ محمد بن عيسى أصبحَ زميلاً لصباحِ الأحمد، بوصفِهمَا وزيري خارجية بلديْهمَا، منذ تولّي بن عيسى وزارةَ الخارجيةِ المغربية في أبريل عام 1999 إلى يوليو 2003، حيث تولَّى الشيخُ صباح رئاسةَ مجلسِ الوزراءِ وتخلَّى عن حقيبةِ الخارجية.

مُحمَّدُ بن عيسى، عاشقُ أصيلةَ، المولودُ بهَا في 3 يناير (كانون الثاني) 1937، كما احتضنتْ أصيلةُ مبادراتِه، سَتحتضِنُ جثمانَهُ الذي سَيدفَنُ فيهَا.

نقلا عن الشرق الأوسط

"
تركي الدخيل كانَ رجلاً مختلفاً، لا يَعرفُ إلَّا أَنْ يَكونَ مِلءَ السَّمْعِ والبَصَرِ، أيّاً كَانَ الزَّمانُ والمَكانُ الذِي يَحِلُّ فِيهِمَا… وَبِالأمْسِ رَحَلَ عَنْ دُنْيَانَا، لَكِنَّهُ بِحُضُورِهِ الطَّاغِي، فِي حَيَاتِه وبَعْدَ مَمَاتِه، سَيبْقَى مِلْءَ السَّمْعِ وَالبَصَرِ، وَكَأَنَّهُ تَصْوِيرٌ عَمَلِيٌّ لِبَيْتِ أَبِي الطَّيّبِ المُتَنَبّي القَائِلِ: وتَرْكُكَ في الدُّنْيَا دَوِيًّا كَأنَّمَا تَدَاولُ سَمْعَ المَرْءِ أَنْمُلُهُ العَشْرُ إنَّهُ وَزيرُ
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة