الرئيسية/آراء/أمدحُ بيتِ شعرٍ وأكذبُ بيتٍ!
آراء

أمدحُ بيتِ شعرٍ وأكذبُ بيتٍ!

لقطة الشاشة 2025-03-15 في 1.18.11 م
📸لقطة الشاشة 2025-03-15 في 1.18.11 م
اليوم ميديا

تركي الدخيل

الافتخَارُ بالأحْسَابِ قديمٌ متجذّرٌ في العَربِ، ومِنْ أجْوَدِهِ قَولُ أبِي الطَّمحَانِ القَينِي، مُفتَخِراً بقومِهِ فِي وَصْفِهِمْ:

أضاءَتْ لَهُم أحْسَابُهُمْ ووجُوهُهم

دُجَى اللَّيلِ حتَّى نَظَّم الجَزْعَ ثاقِبُهْ

وَهذَا بَيتٌ مِنْ أشْهرِ أبْيَاتِ الشّعرِ العَرَبِيّ، و«يُقَالُ إِنَّ هَذَا البَيْتَ مِنْ أَمْدَحِ شِعْرِ العَرَب وَأَكْذَبِه وَأَبْلَغِه»، (الدر الفريد وبيت القصيد).

والبَيتُ لأَبِي الطَّمَحَانِ الْقَيْنِيِّ (ت نحو 30 ه‍ـ = نحو 650 م)، وَكَانَ شَاعِراً، فَارِساً، صُعلُوكاً.

وُصِفَ بَيتُ أبِي الطَّمحَانِ بِأنَّهُ مِنْ أَمْدَحِ شِعْرِ العَرَبِ، وَأَكْذَبِهِ، وَأَبْلَغِه.

فَأمَّا الأولَى: (أمْدَح)، فَالوُصولُ إليهَا، وإنْ لمْ يكنْ سَهلاً، إلَّا أنَّهُ لَيسَ مُتَعَذّراً، طَالَمَا تَحَقَّقَتِ الثَّانِيَةُ: (أَكْذَبه).

عَلَى أنّي أَتَحَفَّظُ عَلَى تَكْرَارِ وَصْفِ البَيْتِ، بأنَّهُ أَكْذَبُ مَا قَالَتِ العَرَبِ شِعْراً، وَذَلكَ لِسَبَبَيْنِ:

الأوًّلُ: أنَّ الجَزْمَ بِأفْعَلِ التَّفْضِيلِ، يَسْتَلزمُ الاستقصَاءَ، والإحَاطَةَ بِالكَذَّابِينَ، وهَذَا مِنَ المُتَعَذّرِ مِنَ الأَشْيَاءِ بِالضَّرُورَة.

الثَّانِي: أنَّ حُصُولَ الاتفَاقِ عَلَى الحَالِ، مَعَ مَعرفَةِ الطَّرفينِ بمَا كَانَ وَسَيكُونُ، يَنْفِي الغَرَرَ، ويُبطلُ الجَهَالَةَ، والبَيعَان بِالخيار مَا لم يتفرَّقَا.

فَلَمْ يَقُلِ الشَّاعِرُ لِأحدٍ فِي الدُّنْيَا، بِأنَّهُ سَيَربِطُ أَحْسَابَ المَمْدُوحِينَ وَوُجُوهَهُمْ بِتَيَّارٍ كَهْرُبَائِيّ، يَمُدُّهُمْ بِضَوْءٍ، يُحِيلُ ظُلْمَةَ اللَّيْلِ الكَالِحِ، نَهَاراً مُشْرِقاً!

الجَميعُ يعرف، بدايةً من الممدوح، مروراً بالمادح، وليس نهايةً بالمشاهدين، والمستمعين، بأنَّ الشَّاعرَ يسعَى ليخرقَ الأرضَ طولاً، بالمبالغةِ في المدحِ، ولم يعترضْ إلا بعضَ النقَّاد، الذين لا يمكن أن يرضُوا، لا بمدحٍ ولا بهجاءٍ، ولا يُرضيهمْ صدقٌ ولا كذبٌ، هداهمُ الله، وهَدَّأ بَالَهم.

الشَّاعرُ يقولُ: بأنَّ ممدوحيهِ، لعراقةِ أحْسَابِهمْ، وبَياضِ وجوهِهِمْ، إثرَ حُسنِ فِعَالِهِمْ، أضَاءتْ بالعَراقَةِ والبَيَاضِ، الوُجوهُ والأحْسَابُ، فكانَ هذَا الضّيَاءُ سَبباً في أنْ يُنيرَ اللَّيلُ المُظلمُ إضَاءةً جَعلتْ من اليَسيرِ، أن ينظمَ من ثقبِ الجَزع، وهو منَ الفصوصِ، التي تُصنعُ منهَا القَلائدُ، عبرَ ثقبِ كلّ حبةٍ منهَا، وربطِ حبوبِ الجزع، ونظمِها بخيطٍ، يدخلُ في ثقبِ كلّ حبةٍ، ويجمعهنَّ في العقدِ.

فضياءُ الوجوهِ والأحسابِ، الذي أنارَ اللَّيلَ، جعلَ ثاقبَ الجزعِ، يستطيعُ أن يُدخلَ الحبلَ في الثُّقب، لينظمَ العقد، من شدَّةِ وضوحِ الإضَاءة!ِ

الجزعُ: نوعٌ من العقيقِ، ذي خطوطٍ مستديرةٍ متوازية.

في «خِزانة الأدب»، قال ابنُ حجةَ الحمويّ:

«يُعجبُنِي من أمثلَةِ المُبَالغةِ في المَديحِ قَولُ القائلِ:

أضَاءتْ لهمْ أحسابُهمْ وَوجُوههُمْ

دُجَى اللَّيلِ حتَّى نظّم الجزعَ ثَاقبُه

فَالمَعنَى تمَّ للناظِمِ، لما انتهَى في بيتِه، إلى قولِه: دُجَى الليلِ، ولكنْ زادَ بمَا هو أبلغُ، وأبدعُ، وأغربُ، في قولِه: حتَّى نظَّم الجزع ثاقبُه.

يريدُ أنَّ هذَا البيتَ يمثّلُ قمَّةَ المبالغةِ في المَديحِ. فالشَّاعِرُ لم يكتفِ بوصفِ أنَّ الأحسابَ والوُجوهَ تضيءُ في الظَّلامِ، بل زادَ بأنَّ هذا النورَ يكفي لإضاءةِ عمليةٍ، تحتاج إلى دقَّةٍ بصريَّةٍ عَاليةٍ، مثلَ ثقبِ الخرزِ، ممَّا يجعلُ المُبالغةَ، أكثرَ تأثيراً، وَتَصويراً.

قولُه: نظَّم الجزع: وَصفَ الجزعَ، بأنَّه نوعٌ من العَقيقِ، يُعطِي البيتَ طابعاً من الجَماليةِ البَصريَةِ.

فالعقيقُ بخطوطه المستديرةِ المتوازيةِ، يعكسُ نوعاً من النظامِ والجمالِ، الذي يتناسبُ مع النُّور الذي يصفُه الشَّاعرُ، وكأنَّ النُّورَ ينظم العالمَ من حولِه بجمالٍ وانتظامٍ.

قالَ الحسنُ اليوسي:

«قوله: نظَّم الجزعَ ثاقبُه، يريد أنَّهم لو استضاءَ بضيائِهم في غياهبِ الظَّلام من يثقبُ الخرزَ الذي هو أشدُّ شيءٍ لأبصرَ ذلك، فكيفَ بما هو أظهرُ؟ وهذه غايةُ المبالغةِ في تنزيلِ المعقولِ منزلةَ المحسوسِ».

يلفتُ اليوسي إلى أنَّ الشَّاعرَ يحول المعقولَ (المفهوم)، إلى محسوسٍ، ممَّا يجعل البيتَ، يتجاوزُ كونَه مجردَ مدحٍ، ليصبحَ تجربةً بصريَّةً، وحسيةً للمتلقّي.

وهو مَا يعكسُ قدرةَ الشّعر، على تحويلِ المجَازاتِ، إلى تَجاربَ حيةٍ.

نقلا عن الشرق الأوسط

"
تركي الدخيل الافتخَارُ بالأحْسَابِ قديمٌ متجذّرٌ في العَربِ، ومِنْ أجْوَدِهِ قَولُ أبِي الطَّمحَانِ القَينِي، مُفتَخِراً بقومِهِ فِي وَصْفِهِمْ: أضاءَتْ لَهُم أحْسَابُهُمْ ووجُوهُهم دُجَى اللَّيلِ حتَّى نَظَّم الجَزْعَ ثاقِبُهْ وَهذَا بَيتٌ مِنْ أشْهرِ أبْيَاتِ الشّعرِ العَرَبِيّ، و«يُقَالُ إِنَّ هَذَا البَيْتَ مِنْ أَمْدَحِ شِعْرِ العَرَب وَأَكْذَبِه وَأَبْلَغِه»، (الدر الفريد وبيت القصيد). والبَيتُ لأَبِي الطَّمَحَانِ الْقَيْنِيِّ (ت نحو
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة