الرئيسية/آراء/مسلسل الرعب المصري!
آراء

مسلسل الرعب المصري!

لاجئون سودانيون يغادرون العاصمة بعد موجة العنف والملاحقات
📸لاجئون سودانيون يغادرون العاصمة بعد موجة العنف والملاحقات
اليوم ميديا

الدكتور عادل عثمان

في حلقة جديدة من مسلسل الرعب الذي يطارد السودانيين في مصر، قُتلت اللاجئة السودانية الحامل زينب حسن (29 عامًا) مع جنينها في القاهرة، بعدما اقتحمت قوة من الشرطة المصرية الشقة التي تقيم فيها أسرة سودانية وسط إطلاق كثيف للنار، ما أثار حالة من الذعر داخل المبنى. وفي محاولة يائسة للفرار من الرعب، سقطت زينب من الطابق السادس، فماتت في الحال، ومات جنينها معها. الجريمة وقعت أمام شهود عيان، وتحت أعين الجيران الذين حاولوا منع القوة الأمنية من المغادرة وتقديم الإسعافات، قبل أن يتأكدوا أن الأم وجنينها قد فارقا الحياة. واقعة تهز الضمير الإنساني، وتكشف إلى أي مدى وصل التوحش في التعامل الأمني مع السودانيين في مصر.

ما يحدث اليوم للسودانيين في مصر ليس مجرد «تجاوزات فردية» أو «سوء تقدير أمني»، بل منظومة كاملة من القسوة والعنصرية وانتهاك القانون تُدار بدم بارد وتُغطّى بصمت رسمي. حين يُعتقل لاجئ يحمل أوراقًا سارية ويُرمى في زنزانة خانقة حتى يموت اختناقًا أو جوعًا أو قهرًا، فهذه ليست دولة قانون، بل مقصلة متنقلة تُنصب في أقسام الشرطة. وحين يُقتل طفل بعمر الثامنة عشرة بعد خمسة وعشرين يومًا من الاعتقال التعسفي، فهذه ليست «إجراءات»، بل جريمة قتل مكتملة الأركان.

وعندما سُئل وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، عن أوضاع السودانيين في مصر، اختصر المأساة بتعالٍ وسخرية قائلاً: “أوضاعهم زي الفل”. قالها وهو يعلم — أو ينبغي أن يعلم — أن الطفل النذير الصادق لفظ أنفاسه داخل محبسه، وأن الشيخ مبارك قمر الدين أبو حوة (67 عامًا) مات في قسم الشرطة رغم أنه يحمل بطاقة مفوضية سارية وإيصال موعد رسمي لتجديد الإقامة. أي «فل» هذا الذي ينمو في زنازين بلا هواء ولا ماء، وأي «فل» يُسقى بدماء اللاجئين، يا عبدالعاطي بيه؟

الشبكة المصرية لحقوق الإنسان رصدت وفيات متتالية بسبب سوء المعاملة والاحتجاز الكارثي، لكن بدلاً من فتح تحقيقات مستقلة، اختارت السلطة الهروب إلى الأمام، وتفضيل الصمت، وشيطنة الضحايا. الصحافة السودانية حاولت سؤال الوزير، ونقلت كاميرات التلفزة العربية المشهد: “المسؤول المصري يشيح بوجهه ويغادر”، بينما الحقائق المؤسفة تصرخ بأعلى صوت في مسامعه: هل هذه دولة تحترم حقوق الجار، وهل تستحق لقب “الدولة الشقيقة”؟

المأساة الأشد فظاعة قصة الطفلتين اللتين تُركتا لتموتا جوعًا وعطشًا بعد أن اعتقلت الشرطة أمهما عندما خرجت لشراء رغيف الخبز. صادرت الشرطة هاتفها ومنعتها من الاتصال بأي أحد، ورفضت السماح لها بالعودة لتأمين طفلتيها. خمسة عشر يومًا من الاحتجاز انتهت بترحيلها، لكن ابنتيها كانتا قد فارقتا الحياة. هل هناك تعريف أوضح لـ«القتل العمد» من هذا، وأي ضمير ينام فوق جثتين لطفلتين لم ترتكبا سوى أنهما وُلدتا سودانيتين؟

ثم يتساءل الكثير من المصريين لماذا نغضب، رغم أنهم يعرفون أن “القانون” يُدهس تحت أقدام الأمن كل صباح، وأن اللاجئين الأبرياء الذين يحملون بطاقات المفوضية السامية للاجئين يُساقون إلى الحجز والترحيل كأنهم لصوص. الشيخ يُعتقل وهو ذاهب للصلاة في المسجد، والأم تُسجن لأنها خرجت لشراء الخبز، والطالب يُحتجز وهو في الطريق إلى المدرسة، ويُقتل الطفل اختناقًا في “تخشيبة” لا تصلح حتى للوحوش.

دعونا نسأل: هل كانت مصر ستقبل لو حدث هذا لمواطنيها في السودان أو أي بلد آخر؟ هل كانت ستصمت لو مات مصري اختناقًا في قسم شرطة دولة أخرى حتى لو كان مجرمًا؟ هل كانت ستعتبر “أوضاعهم زي الفل” لو تُركت طفلتان مصريتان لتموتا جوعًا لأن شرطة بلد ما احتجزت أمهما وصادرت هاتفها ومنعتها من الاتصال بمن يعتني بهما؟ بالطبع لا، كانت ستقيم الدنيا ولا تقعدها.

لكن حين يكون المقتول سودانيًا، يتحول الضحية إلى مجرم والقاتل إلى ضحية، والقانون إلى رصاصة في صدور الشيوخ والنساء والأطفال الأبرياء. ويا للعار، فلا السفير السوداني في القاهرة ولا أي مسؤول سوداني آخر نطق ولو بكلمة عتاب للأشقاء، بل إن البعض، بمن فيهم السفير عماد عدوي، يدافعون عن جرائم السلطات المصرية ويجدون لها المبررات. فلماذا لا تستمر في ارتكاب جرائمها البشعة ضد السودانيين الأبرياء الذين استجاروا بها فرارًا من الحرب؟ ينطبق عليهم بيت الشعر: “كالمستجير من الرمضاء بالنار”!

هذه ليست إساءة لشعب مصر، بل وقائع موثقة لسلطة جعلت من الأجهزة الأمنية عصابات تطارد السودانيين الأبرياء بدون سبب، وتملك الحق في الاعتقال والتجويع والخنق

  • كاتب أميركي من أصل سوداني
  • تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
"
الدكتور عادل عثمان في حلقة جديدة من مسلسل الرعب الذي يطارد السودانيين في مصر، قُتلت اللاجئة السودانية الحامل زينب حسن (29 عامًا) مع جنينها في القاهرة، بعدما اقتحمت قوة من الشرطة المصرية الشقة التي تقيم فيها أسرة سودانية وسط إطلاق كثيف للنار، ما أثار حالة من الذعر داخل المبنى. وفي محاولة يائسة للفرار من الرعب،
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة