الرئيسية/التحليلات/هل تعيد زيارة هرتسوغ إلى أديس أبابا رسم خرائط النفوذ في القرن الأفريقي؟
التحليلات

هل تعيد زيارة هرتسوغ إلى أديس أبابا رسم خرائط النفوذ في القرن الأفريقي؟

إسحاق هرتسوغ خلال خطاب رسمي: رسائل سياسية تتجاوز الداخل إلى الإقليم
📸إسحاق هرتسوغ خلال خطاب رسمي: رسائل سياسية تتجاوز الداخل إلى الإقليم
اليوم ميديا

في صباح بدا عاديًا في العاصمة الإثيوبية، حطّت طائرة رئيس الكيان الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ في أديس أبابا، لكن الزيارة لم تكن بروتوكولية بقدر ما بدت رسالة سياسية متعددة الاتجاهات. جولة خاطفة، لقاءات سريعة مع الرئيس الإثيوبي تاي أتسكي سيلاسي ورئيس الوزراء آبي أحمد، ثم مغادرة… غير أن الأسئلة بقيت معلّقة في الهواء: ماذا تريد تل أبيب من أديس أبابا الآن؟ ولماذا هذا التوقيت تحديدًا؟

إثيوبيا ليست محطة عابرة في الحسابات الإسرائيلية. فهي بوابة القرن الأفريقي، والممر الخلفي نحو البحر الأحمر، والعاصمة السياسية للقارة بحكم احتضانها مقر الاتحاد الأفريقي. في معادلة تتقاطع فيها الجغرافيا مع الأمن والاقتصاد، تبدو أديس أبابا عقدة لوجستية لا يمكن تجاهلها.

توقيت الزيارة لم يأتِ من فراغ. قبلها بأيام، كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في العاصمة الإثيوبية، في أول زيارة منذ أكثر من عقد، حاملاً حزمة اتفاقيات تعزز الحضور التركي في القرن الأفريقي. وقبل ذلك، نشطت تحركات سعودية لترسيخ تفاهمات تتعلق بأمن البحر الأحمر ووحدة الدول ورفض النزعات الانفصالية، في إشارة غير مباشرة إلى ملف “أرض الصومال”.

وسط هذا الزخم، بدت زيارة هرتسوغ وكأنها خطوة لضبط الإيقاع ومنع تآكل النفوذ الإسرائيلي لصالح قوى إقليمية تتحرك بسرعة. فتل أبيب تدرك أن القرن الأفريقي لم يعد هامشًا جيوسياسيًا، بل تحول إلى ساحة تنافس مفتوحة على الممرات البحرية وطرق التجارة العالمية.

أحد أبرز الملفات التي تتحرك فيها إسرائيل هو “أرض الصومال”. فتعزيز أي مسار يمنح هذا الكيان حضورًا أوسع يفتح أمام تل أبيب نافذة مباشرة على البحر الأحمر، ويمنحها موطئ قدم قريبًا من باب المندب. ومن هنا يمكن فهم محاولات استمالة إثيوبيا، الدولة ذات الثقل الإقليمي، لدعم هذا التوجه أو على الأقل عدم عرقلته.

لكن البعد التركي حاضر بقوة في خلفية المشهد. أنقرة تملك شبكة استثمارات واسعة في إثيوبيا، ونفوذًا عسكريًا وأمنيًا في الصومال، ما يمنحها هامش حركة مؤثر في التوازنات الإقليمية. بالنسبة لإسرائيل، فإن ترك الساحة خالية ليس خيارًا، لذلك تسعى إلى تقديم حوافز اقتصادية وأمنية تحافظ عبرها على شراكتها الاستراتيجية مع أديس أبابا.

ولا يمكن فصل هذه التحركات عن البحر الأحمر نفسه. فالممر الذي يربط آسيا بأوروبا عبر قناة السويس وباب المندب بات أكثر حساسية منذ حرب غزة وتصاعد التوترات الإقليمية. أي تموضع في القرن الأفريقي يعني عمليًا اقترابًا من خطوط الملاحة العالمية، ومن مفاصل التأثير في حركة التجارة والطاقة.

في الخلفية أيضًا يلوح ملف سد النهضة، بما يحمله من توتر بين القاهرة وأديس أبابا. هنا تحاول إسرائيل إبقاء قنوات مفتوحة مع جميع الأطراف، محافظة على توازن دقيق يمنحها أوراق تأثير غير مباشرة في واحدة من أعقد أزمات المنطقة.

تاريخيًا، لم يكن الحضور الإسرائيلي في أفريقيا وليد اللحظة. فمنذ ستينيات القرن الماضي سعت تل أبيب إلى بناء شبكات نفوذ في القارة، قبل أن تتراجع علاقاتها عقب حرب 1973، ثم تعود بقوة منذ تسعينيات القرن الماضي، وتتصاعد في عهد بنيامين نتنياهو الذي اعتبر أفريقيا أولوية استراتيجية.

اليوم، تعود إسرائيل إلى القرن الأفريقي بأدوات متنوعة: تعاون أمني، تدريب عسكري، استثمارات في الزراعة والطاقة، وشراكات تقنية. مزيج من القوة الصلبة والناعمة يهدف إلى تثبيت حضور طويل الأمد في واحدة من أكثر مناطق القارة حساسية.

في المحصلة، لا تبدو زيارة هرتسوغ إلى أديس أبابا حدثًا معزولًا، بل حلقة في سباق نفوذ يتسارع بين قوى إقليمية ودولية على مسرح القرن الأفريقي. السؤال الذي يبقى مفتوحًا: هل تنجح تل أبيب في تحصين مكاسبها، أم أن خريطة التحالفات المتغيرة ستفرض واقعًا جديدًا يعيد رسم خطوط النفوذ في خاصرة العالم العربي الجنوبية؟

"
في صباح بدا عاديًا في العاصمة الإثيوبية، حطّت طائرة رئيس الكيان الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ في أديس أبابا، لكن الزيارة لم تكن بروتوكولية بقدر ما بدت رسالة سياسية متعددة الاتجاهات. جولة خاطفة، لقاءات سريعة مع الرئيس الإثيوبي تاي أتسكي سيلاسي ورئيس الوزراء آبي أحمد، ثم مغادرة… غير أن الأسئلة بقيت معلّقة في الهواء: ماذا تريد تل
— اليوم ميديا / التحليلات

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز يعيد رسم طرق التجارة في الخليج، مع تحول حركة الشحن إلى موانئ ومسارات بديلة.

ماذا قالت الصحافة الغربية اليوم؟ أبرز قراءات الشرق الأوسط

في وقت تتسارع فيه التطورات العسكرية من الرياض والبحر الأحمر إلى مضيق هرمز، لا تتوقف الصحافة الغربية عند أخبار الصواريخ والمسيّرات. أبرز ما كتبته الصحف الأميركية والبريطانية يذهب إلى طبقة أعمق من الأزمة: كيف بدأت الحرب تغيّر خريطة التجارة الخليجية، وتضغط على السعودية، وتوسّع أهمية باب المندب، فيما ترتفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة؟ وفي

لندن - عمر فهد العلي
الأحد، ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
تصاعد الدخان قرب مطار الرياض واضطراب في حركة الطيران

الحوثيون يضغطون على السعودية.. لماذا لا تتدخل واشنطن؟

تدخل المواجهة بين السعودية والحوثيين مرحلة أكثر حساسية، بعدما تزامنت الهجمات على الأراضي والمنشآت السعودية مع تقدم الحوثيين على الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر، في وقت تبدو فيه واشنطن حريصة على حماية مصالحها الأساسية والملاحة الدولية، من دون الانخراط حتى الآن في تدخل عسكري مباشر ضد الجماعة. وتكشف أحدث التطورات أن المعركة لم تعد

لندن - عمر فهد العلي
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب.. ممر استراتيجي تتغير معادلته مع تطورات حرب اليمن

المعركة التي لم تبدأ بعد: من يحكم البحر الأحمر بعد الحرب؟

قد تهدأ الحرب في الخليج، وتتراجع الصواريخ، وتبدأ السفن بالعودة تدريجيًا إلى البحر الأحمر. لكن ذلك لن يعني أن المعركة انتهت. ربما تكون المعركة الأهم قد بدأت للتو: من سيضع قواعد الأمن في البحر الأحمر بعد الحرب؟ خلال أسابيع قليلة، تغيرت الخريطة الاستراتيجية للممر البحري. سيطر الحوثيون على مدينة المخا، ووصلوا إلى جزيرة ميون عند

اليمن- سامي أحمد اليافعي
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
السيسي ومحمد بن سلمان.. تنسيق عربي أمام اختبار أمن المنطقة

هل سقطت التحالفات العربية؟ من يحمي الخليج؟

لم يعد السؤال في الخليج هو ما إذا كانت المنطقة تملك حلفاء، بل ما إذا كانت التحالفات القائمة قادرة على تحويل قوتها السياسية والعسكرية إلى حماية فعلية عندما تتزامن التهديدات على أكثر من جبهة. من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر وباب المندب، ومن منشآت الطاقة السعودية إلى حركة الملاحة الدولية، تكشف التطورات الأخيرة أن أمن

لندن - اليوم ميديا
الثلاثاء، ١٥ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة