
محمد فال معاوية
ليست قيمة القرارات التي تمس حياة الناس فيما تضيفه إلى أرقامهم فقط، بل فيما تتركه في حياتهم من طمأنينة، وما تفتحه أمامهم من قدرة على أن ينظروا إلى الغد بقدر أقل من القلق، وبقدر أكبر من الثقة.
من هنا، يمكن قراءة اعتماد صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، رفع مستوى العيش الكريم في حكومة الشارقة إلى 20 ألف درهم شهرياً، باعتباره أكثر من زيادة في الدخل. إنه قرار يضع الإنسان في مركز الحساب، ويمنح معنى العيش الكريم مساحة تتجاوز الراتب إلى ما يصنعه الراتب في حياة صاحبه وأسرته.
فالقرار يشمل موظفي حكومة الشارقة والمتقاعدين، والأسر المستفيدة من المساعدات الاجتماعية، والمواطنين المتقاعدين من خارج حكومة الشارقة. وفي ذلك معنى يتصل بجوهر السياسة الاجتماعية: أن يشعر الإنسان بأن حاجته ليست شأناً هامشياً، وأن استقراره جزء من مسؤولية المجتمع تجاهه.
لكن العيش الكريم لا يسكن في كشف الراتب وحده.
قد يخفف المال عن الإنسان أثقالاً كثيرة، لكنه لا يعلّمه بالضرورة كيف يحمل ما بقي منها. فهناك فارق بين أن يزداد الدخل، وأن تزداد معه القدرة على بناء حياة أكثر اتزاناً.
وهنا تأخذ الإشارة التي وجهها صاحب السمو حاكم الشارقة بشأن ترتيب شؤون الإنسان، والابتعاد عن الاقتراض غير المفيد، والتوجه إلى التوفير والاقتصاد، معناها الأوسع.
فليست الحكمة أن نملك أكثر فحسب، وإنما أن نعرف ماذا نفعل بما نملك.
في عالم يدفع الإنسان كل يوم إلى شراء المزيد، تبدو الحاجة إلى معرفة الفرق بين الحاجة والرغبة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. وقد يتحول ما كان بالأمس ترفاً إلى ضرورة في نظر صاحبه، لا لأنه يحتاج إليه فعلاً، بل لأن المحيط من حوله أقنعه بأن امتلاكه جزء من صورته ومكانته.
وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي للعيش الكريم: ليس في مقدار ما يدخل البيت، وإنما في مقدار ما يمنحه هذا الدخل من سكينة، وما يتركه بعد الإنفاق من أمان للمستقبل.
التوفير، بهذا المعنى، ليس حياة ناقصة، والاقتصاد ليس تضييقاً على الإنسان. إنه نوع من الحكمة في ترتيب الرغبات، وتأجيل ما يمكن تأجيله، وترك مساحة للغد حتى لا يصبح كل طارئ أزمة.
والأهم أن المال لا يستطيع وحده أن يورث أبناءنا معنى الحياة.
ولعل هذه واحدة من أكثر الدلالات عمقاً في حديث صاحب السمو حاكم الشارقة، حين قرن الاستقرار المعيشي بتربية الأبناء، ودعا إلى التربية الحسنة القائمة على الحكمة واللين وصون الكرامة.
فالطفل الذي يكبر وهو يحصل على كل ما يطلب، لا يكبر بالضرورة وهو يعرف قيمة الأشياء. وقد تكون التربية الحقيقية هي أن نعلّم أبناءنا أن النعمة مسؤولية، وأن القدرة على الاختيار أهم من كثرة الخيارات، وأن الإنسان لا يقاس بما يملك، بل بما يصنعه بما يملك.
لهذا، فإن الأسرة المستقرة ليست الأسرة التي لا ينقصها شيء، وإنما الأسرة التي تعرف كيف تدير ما لديها، وكيف تمنح أبناءها الحب والحدود معاً، وكيف تربيهم على أن الحياة ليست قائمة طلبات لا تنتهي.
فالإنسان يحتاج إلى المال، نعم، لكنه يحتاج كذلك إلى بيت يجد فيه السكينة، ومدرسة تفتح أمامه أبواب المعرفة، وعمل يشعر فيه بقيمته، ومجتمع لا يجعله يشعر بأن كرامته مرهونة بقدرته على الإنفاق.
ومن هنا، يصبح قرار رفع مستوى العيش الكريم جزءاً من معنى أوسع: أن يكون للإنسان من الاستقرار ما يساعده على أن يعيش لا أن يلهث، وأن يخطط لا أن يطارد أعباء يومه، وأن ينظر إلى المستقبل بوصفه مساحة ممكنة لا عبئاً مؤجلاً.
ولا يقتصر هذا المعنى على دخل الأسرة وحده، بل يمتد إلى الطريقة التي تُدار بها الموارد التي تمس حياة الناس. فخفض الرسوم المتعلقة بمواقف الوسائل البحرية بنسبة 50%، مع تخصيص النسبة المتبقية لصالح جمعيات الصيادين، يحمل في طياته فكرة بسيطة وعميقة في آن: أن تخفيف العبء عن الناس يمكن أن يترافق مع الحفاظ على مورد يعود بالنفع على الفئة نفسها.
إنها معادلة تقوم على أن الدعم لا يعني استنزاف المورد، وأن تخفيف الكلفة لا ينبغي أن يأتي على حساب استمرارية المنفعة. فالمورد العام لا تكتمل قيمته بما يقدمه اليوم فقط، وإنما بقدرته على أن يظل نافعاً غداً.
وهنا تتضح المسافة بين تحسين مستوى المعيشة وصناعة العيش الكريم.
الأول قد تقيسه الأرقام، أما الثاني فتظهر آثاره في بيت أكثر هدوءاً، وأسرة أقل قلقاً، وأبناء أكثر وعياً، وإنسان يعرف أن ما بين يديه نعمة ومسؤولية في آن واحد.
العيش الكريم، في جوهره، ليس وعداً بأن يحصل الإنسان على كل ما يريد؛ بل أن يمتلك ما يعينه على أن يعيش مطمئناً، وأن يعرف كيف يحافظ عليه، وأن يجد حوله ما يصون إنسانيته حين تضيق به الأيام.
ولهذا، فإن قيمة مثل هذه القرارات لا تنتهي عند لحظة صدورها، ولا عند الرقم الذي تحمله.
قيمتها الحقيقية تبدأ عندما تتحول الزيادة في الدخل إلى بيت أكثر استقراراً، والطمأنينة إلى مسؤولية، والنصيحة إلى سلوك، والقدرة إلى عطاء.
عندها فقط لا يعود العيش الكريم رقماً في كشف الراتب.
يصبح طريقة في النظر إلى الحياة؛ أن نعرف ما يكفينا، وأن نحسن تدبيره، وأن نربي أبناءنا على قيمته، وأن نعيش بكرامة لا تتوقف على ما نملك، بل تمتد إلى الطريقة التي نحيا بها.

د. رشيد المنصوري لوقت طويل، بدت معادلة أمن الطاقة في الخليج بسيطة: إذا تعطل طريق، وُجد طريق آخر. وإذا أصبح مضيق مصدرًا للخطر، أمكن اللجوء إلى خط أنابيب أو ميناء أو مسار بحري بديل. لكن أزمات 2026 كشفت أن هذه المعادلة لم تعد كافية. المشكلة ليست في وجود الطرق البديلة، بل في قدرتها على العمل [...]

د. ناصر الكعبي لم تعد المسألة الخليجية في 2026 تتعلق فقط بقدرة الولايات المتحدة على حماية المنطقة، أو بمدى كفاءة منظومات الدفاع الجوي في اعتراض الصواريخ والمسيّرات. السؤال الأعمق أصبح: ماذا يحدث عندما تتعرض الدولة لضغط عسكري طويل، فيما يُطلب من اقتصادها ومؤسساتها وخدماتها وبنيتها الرقمية أن تواصل العمل بصورة طبيعية؟ هنا يظهر أحد أهم [...]

محمد فال معاوية أخطر ما يمكن أن يفعله الخليج في لحظة التحولات الكبرى هو أن يختصر مستقبله في سؤال واحد: هل يبقى مع واشنطن أم يتجه إلى بكين؟ يبدو السؤال منطقيًا، لكنه يفترض منذ البداية أن مستقبل المنطقة يتوقف على اختيار قوة كبرى تحل محل أخرى. وهذه ليست بالضرورة المعادلة التي تتشكل أمام دول الخليج [...]

د. ليلى السالمي كان يمكن النظر إلى مركز البيانات قبل سنوات باعتباره منشأة تقنية: مبنى يضم الخوادم، ويحتاج إلى الكهرباء والتبريد والاتصالات، وتديره شركات متخصصة لخدمة المصارف والمنصات الحكومية والشركات. لكن الحرب غيّرت هذه الصورة. عندما تتعرض منشآت الحوسبة لأضرار خلال الهجمات، ويؤدي خروجها من الخدمة إلى اضطراب خدمات مالية ورقمية، وعندما تدفع المخاطر الأمنية [...]

د. ناصر الكعبي كانت السيادة، في معناها التقليدي، مرتبطة بالأرض والحدود والجيش. ثم اتسع مفهومها ليشمل الاقتصاد والطاقة والعملة، قبل أن يدخل العالم اليوم مرحلة تضيف إلى هذه العناصر قوة أكثر هدوءًا وأشد تأثيرًا: القدرة على إنتاج المعرفة من البيانات، وتحويلها إلى قرار في الوقت المناسب. هنا يدخل الذكاء الاصطناعي إلى السياسة الدولية من باب [...]

د. راشد المنصوري كان سؤال السياسة الدولية في القرن الماضي بسيطًا نسبيًا: من حليفك؟ أما اليوم، فقد أصبح السؤال أكثر تعقيدًا: كم خيارًا لديك عندما يتغير موقف حليفك؟ هذا التحول لا يعكس فقط تغيرًا في طبيعة العلاقات بين الدول، بل يكشف عن إعادة تعريف لمفهوم القوة نفسه. فالدولة القوية لم تعد تلك التي تمتلك حليفًا [...]