قد يكون استهلاك زيت التدفئة أوضح مؤشر حتى الآن على كيفية تفاقم أزمة القدرة على تحمّل تكاليف الطاقة في الولايات المتحدة بسبب الحرب في إيران. فالعائلات التي تستخدم هذا الوقود لتدفئة منازلها تواجه فواتير قد ترتفع بنسبة 50% هذا الشتاء، ما يضيف نحو 900 دولار إلى تكلفة التدفئة. وكانت هذه العائلات تعاني بالفعل قبل اندلاع الحرب.
وكما ذكرت صحيفة «الغارديان» مؤخراً، كشف بحث أجرته مؤسستي أن انقطاعات الكهرباء في عشر ولايات ارتفعت بنسبة 28% خلال العامين الماضيين. وكان ملايين الأمريكيين يعانون بالفعل من تراكم فواتير الخدمات، ما اضطرهم إلى الاختيار بين دفع تكاليف الطاقة والغذاء والدواء والإيجار. والآن، يواجهون موجة جديدة من ارتفاع أسعار البنزين والكهرباء وتكاليف التدفئة المنزلية.
لم تتسبب الحرب في أزمة القدرة على تحمّل تكاليف الطاقة في أمريكا، لكنها تزيد الوضع سوءاً.
وبالنسبة إلى العائلات التي تعتمد على الضمان الاجتماعي، والعاملين بأجور زهيدة، وغيرهم ممن يعانون ضائقة مالية، تشكل أسعار الطاقة المرتفعة عبئاً ثقيلاً. وحتى عائلات الطبقة المتوسطة تجد صعوبة في استيعاب نفقات إضافية تتراوح بين 100 و150 دولاراً شهرياً لتغطية تكاليف البنزين والمواد الغذائية والتدفئة المنزلية.
ويُعد زيت التدفئة مؤشراً مبكراً إلى أزمة أوسع نطاقاً تتعلق بالقدرة على تحمّل التكاليف.
يُعد كل من زيت التدفئة والديزل من المنتجات البترولية، وقد تأثر كلاهما بشدة باضطراب أسواق الطاقة العالمية. ويؤدي ارتفاع أسعار الديزل إلى زيادة تكلفة نقل الغذاء وتوصيل البضائع وتشغيل المزارع ومعدات البناء، وهي تكاليف تنعكس في نهاية المطاف على الأسعار التي تدفعها الأسر.
لكن بالنسبة إلى ملايين الأسر التي تعتمد على زيت التدفئة، يكون التأثير فورياً ومباشراً للغاية. فعلى عكس البنزين، الذي تستطيع الأسر أحياناً تقليل استهلاكه عبر الحد من استخدام السيارات، يُعد زيت التدفئة ضرورياً للحفاظ على دفء المنازل. ولا تستطيع الأسر ببساطة التوقف عن ملء خزانات التدفئة عندما ترتفع الأسعار.
وصف ترامب ارتفاع أسعار النفط الناجم عن الحرب بأنه «ثمن زهيد للغاية مقابل أمن وسلامة الولايات المتحدة والعالم». لكن لا شك في أن زيادة تكاليف التدفئة بمقدار 878 دولاراً لعائلة تعتمد على الضمان الاجتماعي أو تعمل بأجر الحد الأدنى ليست أمراً هيناً. كما صرّح الرئيس بأن أسعار الوقود ستنخفض «بشكل حاد» عند انتهاء الحرب. وآمل أن يكون محقاً.
وحتى لو انتهت الحرب غداً، فلن تعود أسعار الطاقة بالضرورة إلى مستوياتها السابقة. فالمصافي المتضررة تحتاج إلى إصلاح، وخطوط الشحن يجب أن تُعاد فتحها، كما يتعين إعادة ملء مخزونات النفط المستنفدة. وقد تستغرق هذه العملية شهوراً. ولا تستطيع العائلات تأجيل دفع فواتير التدفئة إلى حين تعافي سوق النفط.
يتعين على الكونغرس التحرك فور عودته بعد انتخابات التجديد النصفي، وقبل حلول فصل الشتاء. وندعو المشرعين إلى إضافة 3 مليارات دولار إلى برنامج مساعدة الأسر ذات الدخل المنخفض في مجال الطاقة المنزلية (LIHEAP)، الذي يساعد هذه الأسر على سداد فواتير التدفئة.
ومن شأن هذه الخطوة أن تتيح للولايات تقديم مساعدات إضافية للأسر لمواجهة ارتفاع أسعار زيت التدفئة والكهرباء قبل بداية موسم التدفئة الشتوي.
ولا تقتصر المشكلة على الأسر الأشد فقراً؛ فكثير من الأسر العاملة يتجاوز دخلها الحد المؤهل للحصول على المساعدة، لكنها لا تزال تعاني صعوبة في سداد فواتير الطاقة. وينبغي للكونغرس النظر في توسيع نطاق الاستحقاق لبرنامج (LIHEAP) مؤقتاً، بحيث يشمل الأسر متوسطة الدخل التي تواجه ضائقة مالية، مع توفير تمويل إضافي يضمن عدم تقليص المساعدات المقدمة للأسر ذات الدخل الأدنى.
وأظهر استطلاع حديث أجرته مجلة «كونسيومر ريبورتس» أن أكثر من ربع العائلات أفادت بأنها خفضت التدفئة والتبريد في منازلها إلى مستويات غير مريحة لتوفير المال، فيما قلّصت 19% منها مشترياتها من البقالة أو تحولت إلى خيارات غذائية أقل تكلفة.
ولم يؤدِّ إنتاج المزيد من الطاقة محلياً إلى حماية الأسر الأمريكية من صدمات الأسعار الناجمة عن الحروب في الخارج.
ومن دون مساعدات إضافية في مجال الطاقة، ستزداد أعباء الأسر، وسيواجه بعضها احتمال فقدان التدفئة خلال أبرد شهور السنة.
لكن على الكونغرس أيضاً معالجة المشكلة الأكبر. فقد اعتمدنا لفترة طويلة جداً على حجم إنتاج النفط والغاز الطبيعي لقياس أمن الطاقة في أمريكا. ومع ذلك، لم تحمِ زيادة الإنتاج المحلي الأسر الأمريكية من صدمات الأسعار الناجمة عن الحروب في الخارج.
علينا أن نفكر في أمن الطاقة بطريقة مختلفة. وهذا يعني تنويع مصادر الطاقة، بما في ذلك طاقة الرياح والطاقة الشمسية، التي لا يمكن أن ترتفع تكاليف وقودها بسبب الحرب. فلا يوجد مضيق هرمز للطاقة الشمسية.
هذا هو التحدي طويل الأمد. أما في الوقت الراهن، فتواجه ملايين العائلات شتاءً بفواتير طاقة لا تستطيع تحمّلها.
ستنتهي الحرب في إيران في وقت ما، لكن أزمة القدرة على تحمّل تكاليف المعيشة لن تنتهي معها. وعلى واشنطن أن تساعد العائلات على تجاوز هذا الشتاء، وأن تضمن ألا تحدد حرب أخرى، تندلع على بُعد آلاف الأميال، مرة أخرى ما إذا كانت هذه العائلات قادرة على تحمّل تكاليف تدفئة منازلها.
التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *