لا شىء يعبر عن المجتمع والنظام السياسى وفعاليته فى دعم الهوية الوطنية وتعبئة القدرات الوطنية والتطلع إلى المستقبل قدر الانتخابات العامة. هى لحظة انكشاف للعيوب واكتشاف للقيم العليا؛ وهى لا تتم ساعة التعبير أمام صناديق التصويت، وإنما فى المجتمعات المتقدمة الأمر كله يصبح فورانًا من النقاش العام الذى ينفخ فيه الإعلام والمجتمعات الأكاديمية والشخصيات العامة من حكماء وفلاسفة. ما يسجل النجاح الديمقراطى يأتى من التزام الجميع بقواعد «اللعبة» القائمة على الالتزام بالدستور والقانون؛ والأهم التواضع الذى يجعل الجميع أفرادًا فى أمة واحدة. غير هذه القواعد فإن شروخًا تجرى فى الدولة والنظام العام بحيث يؤدى تراكمها إلى انكسارات تنتظر تغيرات جذرية أو قيادة ملهمة ترتق ما تمزق وتلحم ما انكسر وتعيد النظام إلى جذوره. بحكم المهنة الأكاديمية والعملية حصلت على فرصة حضور الانتخابات الأمريكية، سواء كانت النصفية كما هو الحال الآن؛ أو تلك الرئاسية، وفى الحالتين فإن الانتخابات تصير عرسًا من انتخابات أعضاء مجلسى النواب والشيوخ ومعهما انتخابات حكام الولايات وعشرات المناصب التى تقتضى التصويت؛ فضلًا عن حزمة من الاستفتاءات التى تقرر أمورًا تريد فيها المحليات حسمها.
هذه الصورة الوردية شاهدتها، وفى أوقات كانت اللمعة تنطفئ كما جرى أثناء فضيحة «ووترجيت» التى نتج عنها استقالة الرئيس نيكسون؛ وكان ذلك فى الوقت الذى جرى فيه إشهار الهزيمة فى فيتنام ودخلت فيه أمريكا إلى مرحلة ثائرة ضد الحرب وكل شىء آخر. وقتها كان للمراقب أن يلاحظ كيف جمعت أمريكا شملها من خلال آلية التوافق العام الذى ينتصر على ما كان اختلافًا عامًّا، حينما تقدمت قيادات الحزب الجمهورى التى دفعت الرئيس إلى الاستقالة، ومعها الدفع بنائب الرئيس طبقًا للدستور؛ وبعدها يقضى الشعب دورة وينتخب شخصية مختلفة تمامًا «جيمى كارتر» فى الأخلاق ورفاهة الحس والسعى نحو السلام. الرجل لم يقض إلا فترة رئاسية واحدة؛ ولكنه أعاد الساحة السياسية إلى لحظة اتزان استمرت مع كل القيادات السياسية التى جاءت بعد ذلك حتى جاءت القيادة لدونالد ترامب فى عام 2015 المرشح الجمهورى.
ما يثير الدهشة أن ترامب ظهر بعد لحظة نبيلة عبرت فيها الأمة الأمريكية فوق عقدها التاريخية وجرى انتخاب «باراك أوباما» رئيسًا للدولة؛ وأذكر أن نائب الرئيس جورج بوش الابن «ديك تشينى» كتب فى مذكراته أن قرر العودة إلى ولايته «مينيسوتا» سائقًا عربته ومتابعًا حفل التتويج وشعر بحالة من الفخر الشديد أن الأمة الأمريكية جمعت قوتها لكى تعبر وصمة عار العبودية. وقتها شعرت أن خطوة مهمة فى التاريخ الإنسانى حدثت وربما تبعث رسالتها إلى العالم. وللحق فإننى فى الداخل حيث تختلط العلوم السياسية بالعقل فإن الأمر يؤول إلى أن نجاح أوباما سوف يقود إلى رد فعل يزلزل الساحة السياسية الأمريكية. جاء ترامب الجمهورى إلى ولاية واحدة، ثم أتى بالديمقراطى بايدن لفترة واحدة أيضًا لأن الديمقراطيين لم يصل بهم الأمر إلى انتخاب سيدة سواء كانت هيلارى كلينتون أو كاميلا هاريس!
نقلا عن المصري اليوم
التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *