الرئيسية/آراء/حرب القطبين الإيراني والإسرائيلي
آراء

حرب القطبين الإيراني والإسرائيلي

161957
📸مشهد مصور يوثق التطورات الإخبارية المتعلقة بقسم آراء
اليوم ميديا / وكالات
عبد الرحمن الراشد
نشهدُ متغيراتٍ كبيرةً نتيجةَ صراعِ القطبين الإقليميين، الإيراني والإسرائيلي، المندلع منذ أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. نحن في مرحلة متقدمة من الصراع، وكلاهما يدافع عن موقعه ويحاول استغلالَ الأزمةِ لإضعاف الآخر.
في هذه المواجهات برزت إسرائيلُ أكثرَ قوةً وشراسةً على كلّ الجبهاتِ غيرَ عابئةٍ بالمخاطر المحتملة. وما مقتلُ إسماعيل هنية رئيسِ مفاوضي «حماس»، وفيه خرق للأعراف حتى بين الأعداء المتحاربين، سوى نموذجٍ لذلك، وارتكبته على أرض إيرانية وفي اليوم الأول للرئيس الجديد. وكذلك تدميرها القنصلية الإيرانية في دمشق، وقتل قائدِ «الحرسِ الثوري» في الخارج وفيه أيضاً تجاوزٌ للقوانين الدولية، مع أنَّ إسرائيل تصرُّ على أنَّ المبنى ليس تحت الحصانةِ الدبلوماسية. مع الاستمرار في الحربِ العسكرية اليومية في قطاع غزةَ بعملياتِ قتلٍ ودمار غيرِ مسبوقة.
لماذا إسرائيلُ تقدّمُ نفسَها أكثرَ قوةً وجرأةً ووحشية؟ يقول نتنياهو في لقائه مع مجلة «تايم»: «السبب الأكبر والأهم هو استعادة مبدأ الردع الإسرائيلي». شنَّت هجماتٍ مباشرةً على قلبِ إيرانَ متخلّيةً بذلك عن عقودٍ من مفهومِ سياسةِ الحرب الإقليمية السائدة، وكانت تقتصر على مناوشةِ وكلاءِ طهران الإقليميين. وفي الوقت نفسه كانت غاراتُها على الوكلاء أكثرَ عنفاً؛ فقد شلَّت ميناءَ الحديدة اليمني، شبهَ الوحيد للحوثي، وأشعلتِ النيرانَ في عشراتِ صهاريجِ النفط، ودمَّرت رافعاتِ الشحن فيه.
وضد «حزب الله» قامت بتصفيةِ أبرزِ قادتِه في عملياتٍ تبيّنُ تفوُّقَها التقنيَّ والاستخباراتي، وكذلك قضتْ على صفٍّ كاملٍ من قادة «حماس» في بيروت وطهران وغزةَ نفسِها. والنقطةُ الأخيرة هي قدرةُ نتنياهو على الاستمرارِ في زعامتِه رغمَ الخسائرِ الكبيرة؛ إذ تجاوزَ عددُ قتلى قواتِه في غزةَ خسائرَ إسرائيلَ في حرب 1967، وحرب سنواتِ الاستنزاف، وحرب 1973، مجتمعةً، ولا يزال يحظَى بتأييدٍ شعبي جارفٍ في إسرائيل.
السياسةُ الجديدةُ لإسرائيل، هي القوةُ المفرطةُ والانتقامُ اللامحدود، والشجاعةُ المتهورةُ قد تشعل حرباً إقليمية واسعة.
التفسيرُ المنطقي لهذه المتغيرات والسلوك هو هجومُ السابع من أكتوبر، الذي اعتبرته إسرائيلُ تهديداً وجودياً، وتهدف من معاركِها الحاليةِ إلى ترميم نفوذِها وصورتها. والحقيقة أنَّ الخوفَ الوجودي ليس حقاً ابنَ تلك اللحظة، بل تراكم من وراء سنواتٍ من الزَّحفِ الإيراني الناجحِ الذي بات يطوّقُها؛ من الشرقِ العراق، ومن الشمالِ سوريا ولبنان، ومن الداخلِ «حماس» في غزةَ وبعض الضفة الغربية، والحوثي في أقصى الجنوب. هجومُ أكتوبرَ الكبيرُ يمكن اعتبارُه نتيجةً طبيعيةً من ثقة «حماس» بالقوة الإيرانية المتنامية.

ستتوقَّف الحربُ الحالية مؤقتاً، لبضع سنوات، لكن مع استمرارِ الطَّوقِ الإيراني في ضغطه، ستكون خياراتُ إسرائيلَ أصعب؛ إمَّا الحربُ المباشرةُ مع السَّيد في طهران أو تقديمُ تنازلاتٍ إقليمية كبيرة له، مدركين أنَّ النوويَّ سلاحٌ لا يمكن استخدامُه إلا في حربٍ تدميرية شاملة، أو لو وصلتِ القواتُ الإيرانية إلى أبواب القدس، وكلُّها احتمالات غير واقعية

مساعي واشنطن تلحُّ على بيبي نتنياهو للقبول بإنهاءِ حرب غزة، وهو يستمرُّ في المماطلةِ حتى يكمل عاماً من الحرب، في ذكرى هجوم «حماس» التي تبقى عليها شهران. وفي حالِ شنَّت إيرانُ و«حزب الله» ردَّهما الانتقاميَّ على إسرائيل، المتوقع في أي لحظة، فقد تعجّل الأزمةُ بالحلّ السياسي وليس العكس. لأنَّ إسرائيلَ وإيرانَ تدركان خطورة التصعيد الذي بدأ مثلَ لعبةِ تنس بطيئة، وأصبح يكبر مع تبادلِ الهجمات.

كانت الحربُ محصورةً إقليمياً، والآن دخلتها روسيا؛ إذ زوَّدت هذا الأسبوع إيران بأسلحة دفاعية «ستحمي» إيرانَ ضد قوةِ إسرائيلَ الجوية المتفوقة، مع نصيحة من بوتين بتنفيذ «رد منضبط» على إسرائيل، «وتجنب سقوط ضحايا مدنيين»، فعلياً هو إعلان الدخول، كما سبقَ أن شاركت موسكو في حرب سوريا.

ولروسيا أهدافٌ مختلفة؛ فهي ليست مع إيرانَ ولا ضد إسرائيل، تريد توسيعَ دوائرِ الأزمات في شرق آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا، للضغط على واشنطن لوقف الحرب في أوكرانيا. مع هذه التطورات الجديدة؛ القبة الحديدية الأميركية في إسرائيل والصواريخُ الروسية في إيران، يعود توازنُ القوى والحاجةُ إلى حل سلمي لتجنُّبِ مخاطرِ التصعيد والأخطاء القاتلة في العمليات العسكرية التي قد تقود إلى حربٍ إقليمية شاملة.

نقلا عن صحيفة “الشرق الأوسط”

"
ستتوقَّف الحربُ الحالية مؤقتاً، لبضع سنوات، لكن مع استمرارِ الطَّوقِ الإيراني في ضغطه، ستكون خياراتُ إسرائيلَ أصعب؛ إمَّا الحربُ المباشرةُ مع السَّيد في طهران أو تقديمُ تنازلاتٍ إقليمية كبيرة له، مدركين أنَّ النوويَّ سلاحٌ لا يمكن استخدامُه إلا في حربٍ تدميرية شاملة، أو لو وصلتِ القواتُ الإيرانية إلى أبواب القدس، وكلُّها احتمالات غير واقعية
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة