الرئيسية/آراء/ما يراه المبعوث الأميركي ولا يراه بعض السودانيين!
آراء

ما يراه المبعوث الأميركي ولا يراه بعض السودانيين!

لقطة الشاشة 2024-08-23 في 7.17.46 ص
📸لقطة الشاشة 2024-08-23 في 7.17.46 ص
اليوم ميديا

عثمان ميرغني

عندما سُئِل توم بيريلو، المبعوث الأميركي الخاص إلى السودان، في مقابلة مع «هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)»، هذا الأسبوع، عما إذا كانت أميركا تنظر إلى الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» بالطريقة ذاتها، وتساوي بينهما، جاء رده سريعاً وقاطعاً، إذ قال إنهم لا يفعلون ذلك، ولا يرون أن الطرفين متساويان أخلاقياً. وأوضح ذلك بقوله إن «قوات الدعم السريع» متهمة بارتكاب فظائع وانتهاكات كبيرة، لا سيما في دارفور، ومع ذلك تواصل الولايات المتحدة العمل على دفع الطرفين باتجاه محادثات السلام، لأن معالجة الأزمة الإنسانية تتطلب الحوار مع كليهما.

هذه ليست المرة الأولى التي يتحدث فيها مسؤول في الإدارة الأميركية عن أنهم لا يرون الجيش و«الدعم السريع» بمستوى واحد؛ فقد أشار إلى هذا الأمر أيضاً وزير الخارجية، أنتوني بلينكن. كما أن بيريلو تطرق إليه في عدد من التصريحات، ومنها ما قاله في شهادة أمام لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأميركي تحدث فيها عن أن واشنطن تنظر إلى الجيش السوداني كمؤسسة عريقة لها تاريخها، وأن بلاده لا تريد وجود قوات رديفة، أو أي سلاح خارج سيطرة الدولة، بل ترى أن الجميع في السودان يريدون جيشاً محترفاً يعمل تحت سلطة الحكومة.

الإدارة الأميركية أيضاً ليست الطرف الوحيد الذي شدَّد على أهمية الحفاظ على الجيش السوداني ومؤسسات الدولة كضمان لاستمرار وحماية الدولة، ووحدتها، وسيادتها؛ فمنذ اندلاع الحرب الراهنة، صدرت مواقف وتصريحات عديدة في هذا الاتجاه من دول ومنظمات دولية عدة، إدراكاً منها لأهمية الحفاظ على مؤسسات البلد السيادية، وأهمية وجود الجيش للحفاظ على سيادة السودان، لا سيما في ظل الأوضاع الدقيقة الراهنة.

المثير للحيرة أن أطرافاً عديدة في الخارج ترى هذا الأمر بوضوح، بينما لا تراه أطراف سياسية ومدنية سودانية تستهدف الجيش بحملات متواصلة لإضعافه في هذه الظروف، بل ويدعو بعضها بلا مواربة إلى حلِّه وتفكيكه. هذه الدعوات تتلاقى أيضاً مع ما يصدر أحياناً من «قوات الدعم السريع» التي تحلم بأن تصبح نواة لأي جيش بديل، وكأنها لا تقرأ أو تسمع أو ترى كيف بات كثير من السودانيين ينظرون إليها وإلى سجلِّها الملطَّخ بالانتهاكات الواسعة، والتدمير الذي لحق بالبلد ومنشآته، والعذاب الذي حل بشعبه.

دعاة حل الجيش يبقون قلة قليلة، مهما علا صوتهم. فأغلبية أهل السودان في تقديري يدركون أن تفكيك الجيش سيعني انفلات الأمور، وانتشار الفوضى، وغرق البلد في دوامة من الحروب التي يؤججها المتربصون والطامعون الذين لا يأبهون للسودان وشعبه، ولا يهمهم سوى نهب موارده والسيطرة على مقدراته.

كل الدول التي واجهت تفكيك أو انهيار جيوشها في منطقتنا، من الصومال إلى اليمن وليبيا، عانت من اضطرابات داخلية خطيرة. لكن تجربة العراق ربما تقدم النموذج الأبرز للتداعيات والعواقب التي يمكن أن تحدث في مثل هذا السيناريو. كان قرار حل الجيش العراقي من أوائل قرارات بول بريمر الحاكم المدني للعراق بعد الغزو الأميركي في 2003، مدفوعاً بأن الجيش هو جيش صدام حسين والبعثيين وأداة سيطرتهم. لكن سرعان ما تبين أن القرار كان خطأً كارثياً، وأحدث تداعياتٍ ما زال العراق يدفع ثمنها. غرق البلد في الفوضى والعنف الطائفي لسنوات، وسمح الفراغ وعدم الاستقرار ببروز تنظيم «داعش»، وفتح المجال أمام التدخلات الخارجية، وكانت له تأثيرات سلبية على المنطقة كلها.

وقد اعترف بريمر لاحقاً بعد مغادرته المنصب بأن حل الجيش العراقي كان خطأ، وإنْ حاول أن يجد بعض المبررات، مثل تهديد قيادات كردية بالانفصال عندما سمعوا أن مسؤولين أميركيين بحثوا إعادة استدعاء الجيش العراقي للخدمة، بعدما رأوا الأمور تتجه نحو الفوضى وانتشار العنف.

إنشاء جيش جديد كلَّف العراق أيضاً جهداً وموارد هائلة، واستغرق زمناً في التجنيد والتدريب والتسليح كان البلد خلالها عرضة لكثير من المخاطر الداخلية والخارجية. كما أن حل الجيش أضاع على البلد كثيراً من الخبرات المهنية من الضباط والجنود، وأهدر الخبرات المتراكمة في مجال التصنيع الحربي.

العبرة للسودان من كل ذلك أنه في محيطنا المضطرب «مَن لا جيش له، لا أمن له». وفي ظل أوضاع البلد الهشة، فإن وجود جيش موحَّد قوي ومهني يصبح أمراً ضرورياً لضمان بقاء الدولة ومؤسساتها، وحمايتها من المخاطر والتدخلات الخارجية. صحيح أن هناك أخطاء وعيوباً ومشكلات معلومة، لكنها ينبغي أن تُعالَج بالإصلاح، لا بالدعوات إلى الحل والتفكيك. أما إبعاد الجيش عن السياسة، فإنه يتطلب أيضاً ابتعاد القوى السياسية عن تسييسه ومحاولات التغلغل فيه؛ فكثير من الأطراف السياسية لا تستطيع أن تدعي الطهر في هذا المجال، وهذا تاريخ معروف للسودانيين.

نقلا عن صحيفة الشرق الأوسط

"
عثمان ميرغني عندما سُئِل توم بيريلو، المبعوث الأميركي الخاص إلى السودان، في مقابلة مع «هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)»، هذا الأسبوع، عما إذا كانت أميركا تنظر إلى الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» بالطريقة ذاتها، وتساوي بينهما، جاء رده سريعاً وقاطعاً، إذ قال إنهم لا يفعلون ذلك، ولا يرون أن الطرفين متساويان أخلاقياً. وأوضح ذلك
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة