الرئيسية/آراء/ذبابة في زجاجة
آراء

ذبابة في زجاجة

لقطة الشاشة 1446-05-17 في 10.41.06 م
📸لقطة الشاشة 1446-05-17 في 10.41.06 م
اليوم ميديا

د. محمد النغيمش

حينما نلاحظ ذبابة تطير بعشوائية في زجاجة مغلقة، يبدد ذلك تركيزنا ويشتت أفكارنا. ننشغل بمعاناة الذبابة عن معاناتنا، وكأن حركتها المستمرة وصوتها المزعج يحملان دعوة صامتة للتدخل. تحاول عبثاً إحداث ضجيج للخروج من عنق الزجاجة، وكأنها تُذكّرنا بأن لا شيء يتغير بالصمت.

مشهد الذبابة في الزجاجة يحمل في طياته رمزية عميقة. لو أنها سكنت، لما لاحظنا وجودها أصلاً. ولو أنها حاولت ثم يئست، ربما لم يكترث بها أحد. لكن الضجيج المستمر هو ما يلفت الانتباه ويوقظ فينا الفضول والمسؤولية. هناك أشخاص، مثل تلك الذبابة، يثيرون انتباهنا فقط عندما يحدثون ضجيجاً، ليدفعونا للمساعدة أو المواجهة أو التأمل.

بعض المقهورين تحت إمرة قيادي قاسٍ لن يهدأ لهم بال حتى تأتيهم انفراجة الخلاص، وبعض الصراخ حقاً على قدر الألم. حركة الذباب المستمرة في زجاجة مغلقة تعكس إيمانها بأن الاستسلام ليس خياراً، بينما تأملها يُذكرنا بأن المحاولات المتكررة قد تكون الطريق الوحيد للنجاة.

وعندما نجد أنفسنا محبوسين في غرفة اجتماعات، مع بشر مزعجين، فإننا نشهد أحياناً ظاهرة عجيبة وهي: تسلط الأكثر شراسة على آخرين لإسكاتهم. وكم من جريء قال ما لا يجرؤ على قوله من يدير دفة الاجتماع، ليُسكِت من هو أكثر صخباً منه. وهو مؤشر على حاجتنا لشتى أنواع الناس.

تتحرك الذبابة داخل الزجاجة بلا كلل، لتصبح رمزاً للنشاط حتى في بيئات مغلقة. وكأنها تهمس لنا بأن التفكير خارج الصندوق هو السبيل للنجاة، وإن بدا الأفق محدوداً.

ما نعتبره إزعاجاً قد يكون أداة ضرورية للفت نظرنا إلى جوانب نتجاهلها أو نتجنب مواجهتها. وما يبدو تافهاً في بدايته قد يحمل أسباباً عميقة تستحق النظر.

ذلك الصوت الذي نراه مزعجاً قد يكون الوحيد الذي يجرؤ على طرح لب المشكلة. وجود «ذبابة» في الزجاجة قد يكون بداية لتحفيز نسائم التغيير الإيجابي، الذي ينعكس على الجميع إذا أُحسن التعامل معه.

الذبابة ليست مجرد حشرة مزعجة، بل نموذجٌ مصغرٌ يعكس كيف يمكن للتفاصيل الصغيرة، مهما بدت تافهة، أن تحمل في طياتها مفتاحاً لتغيير كبير إذا أعدنا النظر فيما وراء الضجيج.

نقلا عن الشرق الأوسط

"
د. محمد النغيمش حينما نلاحظ ذبابة تطير بعشوائية في زجاجة مغلقة، يبدد ذلك تركيزنا ويشتت أفكارنا. ننشغل بمعاناة الذبابة عن معاناتنا، وكأن حركتها المستمرة وصوتها المزعج يحملان دعوة صامتة للتدخل. تحاول عبثاً إحداث ضجيج للخروج من عنق الزجاجة، وكأنها تُذكّرنا بأن لا شيء يتغير بالصمت. مشهد الذبابة في الزجاجة يحمل في طياته رمزية عميقة. لو
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة