الرئيسية/آراء/دمشق والسير عكس المتوقع
آراء

دمشق والسير عكس المتوقع

لقطة الشاشة 1446-06-06 في 8.06.50 م
📸لقطة الشاشة 1446-06-06 في 8.06.50 م
اليوم ميديا

د. عمرو الشوبكي

رغم السعادة الغامرة التي يعيشها الشعب السوري عقب سقوط واحد من أبشع النظم ديكتاتورية، وأكثرها إجراماً ودمويةً في العالم، فإن هناك تخوفات أبداها كثيرون ليس بغرض «النكد» على الشعب السوري العظيم، وإفساد فرحته في يوم انتصاره، إنما لكون التغيير في سوريا جاء في منطقة فشلت أو تعثرت فيها تجارب التغيير، سواء كانت مدنية أو مسلحة، بالتالي فإن الخوف على سوريا مشروع، ليس فقط بسبب الخلفية العقائدية لجانب كبير من الفصائل المسلحة، إنما لكون هذا المسار محفوفاً بالمخاطر من دون أن يعني ذلك أنه ليست أمامه فرص نجاح.

والحقيقة أن هناك عاملين في صالح تجربة التغيير السورية يجعلان من الوارد أن تسير «عكس المتوقع» إذا حافظت عليهما: الأول يتمثل في طريقة التعامل مع النظام والمنظومة القديمة، وهنا سنجد أن قادة الفصائل، على رأسهم أحمد الشرع، أكدوا على حرمة الدم ورفض الانتقام العشوائي وتصفية الحسابات، بخاصة مع الإدراك الذي في ذهن الكثيرين أن «الصندوق الأسود» للحكم في سوريا مرتبط بطائفة بعينها بسبب وجود قيادات كثيرة من الطائفة العلوية على قمة أجهزة الأمن والمخابرات مارست أبشع صور التعذيب والجرائم بحق باقي أبناء الشعب، بالتالي فإن خطر الانتقام المذهبي نظرياً وارد، لكنه لم يحدث ونتمنى ألا يحدث لأن ذلك سيكون بداية فشل المسار الانتقالي، كما غابت حتى اللحظة المفردات المشتقة من كلمة «اجتثاث» التي رُفعت في العراق وليبيا والسودان رغم أن دوافع الثأر والاجتثاث في سوريا تفوق أي بلد آخر.

محاكمة عادلة لمن أجرموا في حق الشعب السوري مسار نجاح، والانتقام من البيئة الحاضنة لهؤلاء مسار فشل، والتمييز بين «دلاديل» النظام وأزلامه، وبين قتلته ومجرميه، أمر مطلوب حتى يستطيع السوريون بناء نظام جديد عينه على المستقبل ومتعافٍ من مآلات التجارب العربية الأخرى.

سيظل مأمولاً أن يستمر هذا الخطاب المتحكم في المشاعر و«الفتاوى» السياسية والدينية الإقصائية التي أصابت حتى تجارب التغيير المدنية والسلمية في العالم العربي، ويحدث قطيعة مع هذا الخطاب الثوري الذي وظفه كل تيار من أجل إقصاء خصومه، فرفعته «القوى الثورية» في مصر بدعم إخواني عقب ثورة يناير (كانون الثاني) 2011 من أجل إقصاء مختلف قيادات النظام القديم ورفع شعار «إمسك فلول»، فحدث الفراغ الذي ملأته القوى الأكثر تنظيماً، كما شهد السودان عقب ثورته مظاهرات لأكثر من عام مطالبة بتفكيك النظام القديم وطاردوا حتى قياداته الوسيطة من دون أن يبنوا مؤسسات بديلة تحل مكان مؤسسات النظام القديم، فحدث الفراغ الذي لم يكن هناك إلا قوات الجيش و«الدعم السريع» ليملآه وكانت النتيجة اقتتالاً أهلياً.

إن طبيعة التغيير «الثورية» في سوريا إذا تبنت مشروعاً دينياً ستمتلك مبررات أكثر من غيرها للانتقام والثأر، لكنها مطالبة بأن تفعل العكس، وأن يكون مشروعها «إصلاحياً» بامتياز مهما كانت مغريات الخطاب الثوري الإقصائي الذي راج في أكثر من بلد عربي وكان أحد أسباب الإخفاق الذي حدث.

مطلوب أن يكون هناك مشروع انتقالي يستوعب كل من لم يتورط في استباحة دماء السوريين، ولم يرتكب جرائم جنائية، وهو توجه حادث حالياً على مستوى الخطاب المعلن، ولكن مع وجود أعين وأذرع الخارج، ومع تعدد الفصائل المسلحة، ستكون هناك تحديات كبيرة أمام تثبيت أركان هذا المسار.

أما العامل الثاني، وهو «خادع»، إذا لم يُشتغل عليه من أجل استمراره، ويتعلق بحالة الإجماع شبه الكامل على رفض النظام القديم، التي جعلت أشد القوى علمانيةً لا تعترض على أن تقود قوى التغيير المسلح فصائل إسلامية متشددة، عززته الطريقة التي باع بها بشار أقرب المقربين له وفراره من البلاد خلسة من دون أن يخبر أحداً منهم.

الإجماع الوطني على رفض نظام بشار سيكون مهدداً في لحظة انتقال السلطة وبناء المؤسسات، فكيف يمكن بناء جيش وطني وأجهزة أمنية وسلطة قضائية مستقلة أو شبه مستقلة لا تخضع لمحاصصة القوى السياسية والفصائل؟ وما هو الأساس العقائدي الجديد الذي على أساسه سيبنى جيش وطني مهني محايد، وأيضاً كيف يمكن أن تبني سوريا نموذجها الجديد في الواقع العملي بصورة مختلفة عن النموذج الإيراني الذي وصفته بأنه «مؤذٍ»، بمعنى ألا تكون هناك ميليشيات مسلحة بجانب الجيش، كما هو الحال مع «الحرس الثوري» الإيراني و«الحشد الشعبي» العراقي و«قوات الدعم السريع» السودانية. يحتاج الأمر لدرجة من الوعي «بالصالح العام» لم تعرفها تجارب التغيير بمختلف توجهاتها في العالم العربي.

الوصول إلى مسار انتقالي صلب ومتوافق عليه يحتاج أيضاً لجهود عربية وتركية للضغط على إسرائيل لوقف عدوانها، وأيضاً التفاعل الإيجابي مع هذا المسار، وتوجيه النصح له لا الوصايا حتى تعود سوريا لعالمها العربي بإرادة شعبها.

نقلا عن الشرق الأوسط

"
د. عمرو الشوبكي رغم السعادة الغامرة التي يعيشها الشعب السوري عقب سقوط واحد من أبشع النظم ديكتاتورية، وأكثرها إجراماً ودمويةً في العالم، فإن هناك تخوفات أبداها كثيرون ليس بغرض «النكد» على الشعب السوري العظيم، وإفساد فرحته في يوم انتصاره، إنما لكون التغيير في سوريا جاء في منطقة فشلت أو تعثرت فيها تجارب التغيير، سواء كانت
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة