الرئيسية/آراء/ليبيا: لعبة تدوير الأوهام
آراء

ليبيا: لعبة تدوير الأوهام

لقطة الشاشة 2024-08-15 في 2.34.46 ص
📸لقطة الشاشة 2024-08-15 في 2.34.46 ص
اليوم ميديا

جمعة بوكليب

الضحكُ على الذقون ليس متاحاً إلا للدُّهاة من الناس. وأصحابه دهاقنة يكيدون للناس، بالمخاتلة والاحتيال والكذب والتضليل، حتى يحققوا مآربهم. وهم مثلهم مثلُ من يفرش بَسطة على شاطئ بحر بنيّة بيع الريح للمراكب.

في هذا الخضم تخطر ببالنا اجتماعات بوزنيقة في المغرب. وهي، في جوهرها، وَهْمٌ يتمُّ تدويره وبيعه لليبيين، بهدف إحباط أي محاولة للخروج من النفق المعتم الذي يعيش حبيساً داخله 6 ملايين مواطن.

أصحاب ذلك الوهم، بدلاً من أن يفيقوا للأمر، ويحتاطوا له بالسعي، إلى اختراع حيل وألاعيب جديدة مقنعة، ما زالوا يصرون على تكرار نفس اللعبة المملة، وبنفس الممثلين، وعلى نفس الخشبة. رئيسا مجلسي النواب والدولة، فاقدا الصلاحية والشرعية، رفقة جوقة المتواطئين معهما، يتولون بهمة ونشاط القيام بالمهمة.

الحكايةُ من آخرها، وباختصار، هي أنّه كلما تولّت وسائل الإعلام نقل أخبار تتعلق بمشاورات ومباحثات ولقاءات تجري حول عقد انتخابات رئاسية ونيابية، من قبل مبعوثي الأمين العام للأمم المتحدة، يسارع المسؤولون، شرقاً وغرباً، إلى الكواليس، ويبدأون في نسج الخيوط لوضع العصي في الدواليب.

العادةُ جرتْ أن يظهروا فجأة في وسائل الإعلام، يعقدون اجتماعات في بوزنيقة تستمر عدة أيام، وتنتهي بإخراج المحاضر القديمة ونشرها بتواريخ جديدة. اللقاءات تلك، يحرص أصحابها على عقدها في نفس المكان والصالة. وبالإمكان اختيار أي صورة قديمة، من تلك اللقاءات لترافق الخبر؛ لأن المفاوضين هم أنفسهم لم يتغير منهم أحد. اللافت للاهتمام أن نتائج تلك الاجتماعات تُقبر في الأدراج بمجرد تحقيق الهدف منها، وتكون جاهزة للاستخدام في اللقاء المقبل.

الآن، وقد حَظيتْ، في الأسبوع الماضي، مبادرة المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة بموافقة مجلس الأمن الدولي، وبدأت السيدة ستيفاني خوري الإعداد لوضع النقاط فوق الحروف عملياً، بدأتْ تحركاتُ المجلسين بسرعة لافتة. وتولّت القنوات التلفزيونية المحلية نقل صور لأعضاء من المجلسين يتفاوضون في الصالة نفسها، في الفندق نفسه، في بوزنيقة. المختلف هذه المرّة، هو أنهم، ولكي يسبكوا نسج الخيوط، أضافوا إلى السيناريو تفاصيل أخرى؛ إذ خرجوا علينا بتعيين ست لجان لمعالجة قضايا لا علاقة لها بالانتخابات.

لنكن واقعيين ونعترف بأن الانتخابات في ليبيا لن ترى النور؛ ذلك أن كل المحاولات التي جرت على أمل عقدها تقف في عقبة واحدة لا غير. العقبة تتمثل في رفض الإسلاميين في المنطقة الغربية القبول بدخول المشير خليفة حفتر الانتخابات إلا بعد التخلّي عن جنسيته الأميركية، وتقديم استقالته من منصبه في الجيش. والمشير بدوره يرفض ذلك. وأفضى هذا إلى استمرار دوران ثور الساقية مغمض العينين، في المكان نفسه.

لنكن واقعيين ونقرَّ عَلناً أن الانتخابات في ليبيا لن تُعقد، وأن المبعوثة الأممية الحالية تحرث في ماء بحر أُجاج، كما فعل من سبقوها. والسبب أن لا أحد من الممسكين بمقاليد الأمور، في غرب ليبيا أو في شرقها، يرغب في إحداث تغيير.

الأخبارُ هذه الأيام تتحدث عن الرغبة في تشكيل سلطة تنفيذية جديدة، بمهمة واحدة وهي العمل على إجراء انتخابات. المقصود من هذا إبعاد رئيس حكومة طرابلس عبد الحميد الدبيبة. والأخير جاء إلى الحكم بشرط العمل على إجراء انتخابات خلال عام واحد. وها نحن في العام الرابع أو الخامس ولم يغادر المنصب، أو تُعقد انتخابات، وبدلاً من ذلك تشكلت حكومة ثانية في شرق البلاد!

رئيس حكومة طرابلس عبد الحميد الدبيبة قال بصريح العبارة إنّه لن يسلم مقاليد الحكم إلا إلى حكومة منتخبة. ويصرُّ على عقد استفتاء على مسوّدة الدستور غير المنتهية نتيجة خلافات بين أعضاء لجنة وضع الدستور. هذا التشابك والتعقيد لم يأتِ عفواً، بل مصمم بدهاء ومكر، يجعل من المستحيل تقريباً، التخلص من اللاعبين المسيطرين على مجرى الأحداث.

اللعبة لم تعد تنطلي على أحد. ورئيسا مجلسي النواب والدولة يصران، في كل عام، على تكرارها، بالذهاب شخصياً، أو بترشيح من يمثلونهما، إلى بوزنيقة في المغرب. وفي العادة، واستكمالاً للسيناريو، يتزامن ذلك بقيام الجماعات المسلحة في غرب البلاد بالدخول في مناوشات عسكرية، تؤدي في أغلب الأحوال إلى قتال بينهم في شوارع المدن. وكل ذلك يتم بهدف تخريب أي محاولة للخروج من النفق الحالي. والنتيجة: تواصل وقوف حمار الشيخ في العقبة.

نقلا عن الشرق الأوسط

"
جمعة بوكليب الضحكُ على الذقون ليس متاحاً إلا للدُّهاة من الناس. وأصحابه دهاقنة يكيدون للناس، بالمخاتلة والاحتيال والكذب والتضليل، حتى يحققوا مآربهم. وهم مثلهم مثلُ من يفرش بَسطة على شاطئ بحر بنيّة بيع الريح للمراكب. في هذا الخضم تخطر ببالنا اجتماعات بوزنيقة في المغرب. وهي، في جوهرها، وَهْمٌ يتمُّ تدويره وبيعه لليبيين، بهدف إحباط أي
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة