الرئيسية/آراء/الانقلاب المربك
آراء

الانقلاب المربك

لقطة الشاشة 2025-04-03 في 7.24.48 ص
📸لقطة الشاشة 2025-04-03 في 7.24.48 ص
اليوم ميديا

د. سعاد كريم

في خلال أسبوع، حدث صادم ومفاجئ حطّ كالزلازل أذهل العالم، وأربك الأسواق العالمية، فحبست الدول أنفاسها وباتت في حالة ترقُّب، والمترقّب الأكبر هو الرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي أخذ يراقب بهدوء ما يجري، وما سيجري، من تغيّرات في العالم أجمع.

ذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية، أن الرئيس ترمب أعلن في الثاني من أبريل (نيسان) الحالي، عن مجموعة من التعريفات الجمركية تحت اسم «يوم التحرير»، ما سبّب تراجعاً للعقود الآجلة للأسهم، وتذبذباً للدولار الأميركي مقابل العملات الرئيسية، وخسائر للاقتصاد العالمي تزداد في كل لحظة. لكن الصين ردّت بقوة وبسرعة على رسوم ترمب الجمركية، بنسبة مماثلة.

وعادةً ما يؤدي ارتفاع التعريفات الجمركية إلى ارتفاع الدولار، نظراً للتوقعات بأن تقليص استيراد السلع الأجنبية يقلّل من الطلب على العملات الأجنبية، ويسهم في تقليص العجز التجاري، وهنا تكمن مشكلة ترمب الذي يهدف إلى تقليص ميزان العجز التجاري بين الولايات المتحدة والصين، خصوصاً بسبب كثرة الاستيراد.

في هذا السياق، تعددت الأسباب وكثرت الآراء ووجهات النظر، وتوقع كثيرون أن يتفوّق النمو الاقتصادي الأميركي على الصين في منطقة اليورو، ما يجعل الأمر إيجابياً بالنسبة للدولار، لكن هذا لم يحدث، وخسر مؤشر الدولار الأميركي، الذي يعتمد على سلة من العملات، نسبة مئوية كبيرة هذا العام، كما أظهرت بيانات تداول السلع الآجلة تحوّلاً في رهانات المضاربين ضد الدولار الأميركي، فانخفض الدولار الأميركي مقابل اليورو بدلاً من الارتفاع، وهو أمر نادراً ما يحدث، وأيضاً، تفوّق الاقتصاد الأميركي على اقتصاد منطقة اليورو، بسبب انخفاض تكاليف السلع المصدّرة، تبعه انخفاض في استيراد السلع من الخارج، لكن ولسوء الحظ، فإن خفض التكاليف ألحق ضرراً بالعمال، وجعل الشركات تقلل من ابتكارها، إلى غيرها من الناتج السلبية.

وهكذا كان الدولار قوياً في كل الظروف، حتى خلال فترات الركود والازدهار على حدّ سواء، حيث لجأ إليه المستثمرون بوصفه ملاذاً آمناً، وبقيت احتياطات الدولار العالمية ثابتة منذ عام 2018، بينما ارتفع الدولار بنسبة ستة عشر في المائة، وفقاً لبيانات صندوق النقد الدولي. أضف إلى ذلك، أن جزءاً كبيراً من قدرة الدولار يعود إلى الاستثمارات والأرباح الضخمة التي تحققها شركات «وادي السيليكون»، ما يجعل من الولايات المتحدة مصدّراً ضخماً للسلع التكنولوجية، وبخاصة الخدمات.

بالتأكيد ستضر الرسوم الجمركية للرئيس ترمب بالاقتصاد الأميركي، ومن شبه المؤكد أنها ستضرّ بالاقتصادات الأخرى بشكل أكبر. فترمب يشعل الحرب التجارية، والدولار يتراجع أمام العملات الرئيسية، حيث إنه في أقل من ثلاثة أشهر، تراجع إلى أكثر من ستة في المائة مقابل اليورو، ونحو أربعة ونصف في المائة مقابل الجنيه الإسترليني، ونحو سبعة في المائة أمام الين الياباني، وتراجع بأكثر من ستة في المائة أمام الفرنك السويسري. إن ما يحدث في الولايات المتحدة يثير التساؤل: هل هذا صدفة؟ أم أن هناك حرباً تجارية انتقامية؟!

شيء آخر يتحدث عنه الإعلام الأميركي وبعض الصحف الأميركية، مفاده أن ترمب يسعى إلى فرض اتفاقية «مارالاغو أكورد» – لخفض قيمة الدولار مقابل العملات الرئيسية (مارالاغو هو المنتجع الشهير للرئيس ترمب الذي يُجري فيه أهم لقاءاته السرية)، على غرار اتفاقية بلازا عام 1985 في عهد الرئيس رونالد ريغان، التي فرضتها الولايات المتحدة بقوة نفوذها على القوى الاقتصادية الخمس الكبرى (فرنسا، وبريطانيا، وألمانيا الغربية، والولايات المتحدة، واليابان) منذ أربعين عاماً تقريباً، وكان الهدف منها إعادة تشكيل نظام التجارة العالمي، وإعادة التوازن، ومعالجة مشكلة العجز التجاري الأميركي، الذي سبّب تضخماً تجاوز مستويات قياسية، والهدف الآخر كان التركيز على خفض الدولار الأميركي، مقابل الين الياباني تحديداً، والمارك الألماني. فكانت النتيجة إيجابية بانخفاض الدولار إلى خمسين في المائة، والمارك الألماني إلى خمسة وأربعين في المائة، بعد سنتين.

وقعت الدول الخمس الكبرى على اتفاقية بلازا في فندق بلازا بنيويورك، بعد الضغط الكبير الذي فُرض عليها، ومن ضمنها اليابان، القوة الآسيوية الصناعية الصاعدة آنذاك، التي تتدفق بضائعها وصناعاتها إلى الولايات المتحدة، وتكتسح سياراتها الأسواق الأميركية، فكانت سلعها تنافسية في السوق الأميركية، وبالتالي كان المطلوب خفض الدولار، لتصبح السلع اليابانية أغلى ثمناً في وقت كانت فيه اليابان تمثل ما يشبه الصين اليوم. فكانت نتيجة تلك الاتفاقية إيجابية بالنسبة للولايات المتحدة وسلبية بالنسبة لليابان. فهل ما يسعى إليه ترمب هو تكرار لاتفاقية بلازا في اتفاقية مشابهة لِـ«مارالاغو أكورد»!!

لكن التساؤل الذي لا مفرّ منه: هل بدأ التحوّل عن الدولار الأميركي مع زيادة نشاط دول «البريكس» والتعامل بالعملة المحلية فيما بينها؟! وهل ما زال الدولار ملاذاً آمناً؟ أم أنه بدأ يفقد بريقه، ليبقى الذهب الأصفر الملاذ الآمن الدائم؟! وهل سيبقى وضع الدولار بوصفه «احتياطياً عالمياً»؟!

نقلا عن الشرق الأوسط

"
د. سعاد كريم في خلال أسبوع، حدث صادم ومفاجئ حطّ كالزلازل أذهل العالم، وأربك الأسواق العالمية، فحبست الدول أنفاسها وباتت في حالة ترقُّب، والمترقّب الأكبر هو الرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي أخذ يراقب بهدوء ما يجري، وما سيجري، من تغيّرات في العالم أجمع. ذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية، أن الرئيس ترمب أعلن في الثاني
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة