الرئيسية/آراء/أبوظبي.. أمين عام جامعة الدول العربية
آراء

أبوظبي.. أمين عام جامعة الدول العربية

لقطة الشاشة 1446-05-22 في 10.42.53 ص
📸لقطة الشاشة 1446-05-22 في 10.42.53 ص
اليوم ميديا

محمد فال معاوية

في زمنٍ لم تعد فيه القرارات تُعلَن عبر البيانات الرسمية، بل تتسرّب همسًا عبر منصات التواصل، تتردد في أروقة الدبلوماسية العربية مشاورات غير معلنة لاختيار أمين عام جديد لجامعة الدول العربية.

لم يصدر بعد ما يؤكّد هذه التحركات، لكن ما يتسرب من الكواليس كافٍ لإثارة الجدل حول منصب ظل حكرًا على دولة واحدة لعقود، وحان الوقت لإعادة النظر في طريقة إدارته، وربما في من يتولاه.

التسريبات تتحدث عن توافق أولي بين عدد من العواصم العربية على ضرورة إنهاء احتكار مصر للمنصب، وطرح أسماء من منطقة الخليج، وتحديدًا من الإمارات، حيث يبرز اسم دبلوماسي مخضرم يحظى بثقة واسعة وخبرة طويلة في العمل المتعدد الأطراف.

منذ تأسيس الجامعة عام 1945، بقيت القاهرة مقرها، ومصر صاحبة الكلمة الفصل في اختيار أمنائها، باستثناء محطات قصيرة في تونس والمغرب.

لكن الخارطة الجيوسياسية العربية تغيّرت. فالدور القيادي لم يعد حكرًا على الدول التقليدية، بل بات موزعًا بين محاور جديدة، تلعب فيها دول الخليج، وعلى رأسها الإمارات والسعودية وقطر، أدوارًا متقدمة ومؤثرة.

الإمارات تحديدًا، رسّخت خلال العقدين الأخيرين مكانتها كقوة دبلوماسية هادئة وفعالة. أدارت وساطات، قادت مفاوضات، واستضافت قممًا عالمية عززت حضورها الإقليمي والدولي. في كل ملفٍ شائك، من ليبيا إلى السودان، ومن اليمن إلى غزة، كان لدبلوماسية أبوظبي دور ملموس. فهل آن أوان أن تنعكس هذه المكانة في قيادة الجامعة؟

ترشيح دبلوماسي إماراتي لمنصب الأمين العام ليس مجرّد مجاملة لدولة صاعدة، بل انعكاس لواقع عربي جديد. الإمارات لا تطرح نفسها بديلًا رمزيًا، بل تقدم سيرة دبلوماسية متكاملة، ومؤسسات تمتلك الخبرة في إدارة العلاقات الدولية، والتفاوض، وإيجاد حلول وسط في بيئات شديدة التعقيد.

في زمن الأزمات المتشابكة، تحتاج الجامعة إلى شخصية تجمع بين الشرعية العربية والقدرة على الفعل والتأثير، لا إلى واجهة بروتوكولية تُلقي الخطب في القمم ثم تغيب. وفي هذا الإطار، يبدو الخيار الإماراتي منطقيًا، بل ضروريًا.

منذ أحمد الشقيري وحتى أحمد أبو الغيط، شغِل المنصب منطق التوازن أكثر من منطق الفاعلية. تحولت الجامعة إلى كيان يُدير الخلافات، لا يحلها، وإلى مؤسسة تعاني من الترهل الإداري والعجز السياسي.

الواقع العربي اليوم يفرض تحوّلًا جذريًا، يبدأ من إعادة تعريف دور الجامعة، ويمرّ عبر تدوير المناصب القيادية، وصولًا إلى بناء رؤية جماعية أكثر عقلانية وفعالية.

تدوير الأمانة العامة لا يُقصي أحدًا، بل يُشرك الجميع. ويمنح الجامعة فرصة لالتقاط أنفاسها، وتجديد آلياتها، والانفتاح على كفاءات عربية ظلت خارج اللعبة بحكم الجغرافيا أو الحسابات الضيقة.

نقل الأمانة العامة إلى أبوظبي سيكون تحوّلًا رمزيًا ورسالة قوية بأن العالم العربي بدأ يتجاوز توازناته القديمة، ويعترف بمراكز القوة الجديدة فيه. لكن الأهم من ذلك، أنه قد يشكل بدايةً لجامعة أكثر توازنًا وواقعية، قادرة على الاستجابة للتحديات بدل الاكتفاء برصدها.

الإمارات لا تسعى لفرض نفوذ، بل تقدم نموذجًا يُراكم القوة بهدوء، ويستثمر في المستقبل لا في الماضي. وإذا ما اختيرت شخصية إماراتية وازنة لتولي المنصب، فقد يكون ذلك بداية فصل جديد في تاريخ الجامعة العربية، فصلٌ لا يقوده التاريخ، بل تقوده الكفاءة.

 

"
محمد فال معاوية في زمنٍ لم تعد فيه القرارات تُعلَن عبر البيانات الرسمية، بل تتسرّب همسًا عبر منصات التواصل، تتردد في أروقة الدبلوماسية العربية مشاورات غير معلنة لاختيار أمين عام جديد لجامعة الدول العربية. لم يصدر بعد ما يؤكّد هذه التحركات، لكن ما يتسرب من الكواليس كافٍ لإثارة الجدل حول منصب ظل حكرًا على دولة
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة