الرئيسية/آراء/حين نجرّم الفرح!
آراء

حين نجرّم الفرح!

لقطة الشاشة 2024-12-27 في 10.30.00 م
📸لقطة الشاشة 2024-12-27 في 10.30.00 م
اليوم ميديا

محمد الرميحي

لماذا يحتقر بعض الناس الموسيقى والغناء؟ ولماذا تحوّل الصوت الجميل، في نظر فئة بعينها، من تعبير إنساني مشروع، إلى موضع شبهة أخلاقية، وخروج عن الملة؟ هذا السؤال لا يتصل بالفن وحده، بل بطبيعة الرؤية إلى الحياة نفسها. فالموقف من الموسيقى، هو في جوهره موقف من الفرح، ومن البهجة، ومن الإنسان، بوصفه كائناً يشعر بالحياة، ويتذوّق قبل أن يُدان.

الثقافة العربية، في أصل تكوينها، لم تكن يوماً ثقافة صامتة. لقد نشأت في فضاء شفهي، وكانت الأذن أداتها الأولى. فالشعر، الذي قيل إنه «ديوان العرب»، لم يكن نصاً مكتوباً يُقرأ في عزلة، بل خطاب يُلقى ويُنشَد، وتُبنى معانيه على الوزن والقافية والتنغيم. البحر الشعري ليس سوى نظام موسيقي، والقافية ليست إلا وعداً سمعياً بالعودة، ولهذا كان العرب يحفظون الشعر، لأنه يُطرب قبل أن يُفهم.

في الجاهلية، لم يكن الغناء عيباً، ولا المغني موضع ازدراء. في الأسواق الكبرى مثل عكاظ، كان الشعراء والمغنون جزءاً من المشهد الثقافي العام. ومع بزوغ الإسلام، لم تُمحَ هذه الظاهرة، بل أُعيد تنظيمها أخلاقياً. عرف المجتمع الإسلامي المبكر الغناء في الأعراس، والدفوف في الأعياد، والصوت الحسن في المناسبات، بوصفه تعبيراً عن الفرح الجماعي، لا خروجاً عن الدين. ولم يكن ذلك استثناءً، بل ممارسة اجتماعية طبيعية.

ومع اتساع الدولة العربية الإسلامية، بلغ الاحتفاء بالموسيقى ذروته. في العصر الأموي، ثم العباسي، أصبحت الموسيقى علماً وفناً. إسحاق الموصلي وإبراهيم الموصلي وزرياب، لم يكونوا مجرد مؤدّين، بل روّاد ذائقة وثقافة، وأدرجت سيرهم. زرياب، على سبيل المثال، لم ينقل الغناء من بغداد إلى الأندلس فقط، بل أسهم في تشكيل نمط حياة كامل، من الموسيقى إلى الملبس وآداب المجالس. كتب الفارابي عن الموسيقى بوصفها علماً قائماً على الرياضيات وعلم النفس، ودرس الكندي أثر النغم في تهذيب الروح.

النفور من الموسيقى، كما نراه اليوم، ليس امتداداً لهذا التراث، بل ظاهرة حديثة، ارتبطت بصعود جماعات الإسلام الحركي. هذه الجماعات لم تتعامل مع الدين باعتباره تجربة روحية وثقافية، بل حوّلته إلى أيديولوجيا تعبئة سياسية. وفي هذا السياق، أصبحت الموسيقى خطراً مزدوجاً، لأنها تُغذّي الفردانية، وتمنح الإنسان لحظة تأمل ذاتي لا تخضع للتوجيه، ولأنها لغة عاطفية، لا يمكن ضبطها بالشعارات. فكان الأسهل هو السخرية من الغناء والمغنين، ثم شيطنتهم.

لكن التاريخ الحديث يكشف زيف هذا الموقف. فالأغنية العربية لعبت دوراً مركزياً في بناء الوجدان الوطني. في مصر، شكّلت أغاني أم كلثوم وعبد الحليم حافظ جزءاً من التعبئة الوطنية في لحظات مفصلية، من مقاومة العدوان الثلاثي إلى حرب أكتوبر. وفي المشرق، ارتبط صوت فيروز بالهوية اللبنانية، حتى في زمن الحرب، بوصفه صوتاً يوحّد ولا يفرّق.

أما في الخليج العربي، فقد أدّت الأغنية دوراً لا يقل أهمية. الأغنية الوطنية في الكويت بعد الاستقلال، وفي الإمارات مع قيام الاتحاد، لم تكن زينة إعلامية، بل تعبير عن شعور جماعي بالانتماء. الأغنية الخليجية الحديثة جمعت بين التراث البحري والبدوي، والتعبير الوطني، ورسّخت فكرة أن الدولة ليست جهازاً إدارياً فحسب، بل إحساس مشترك.

إن المجتمعات التي تحتقر الموسيقى، غالباً ما تخشى الحياة نفسها. فهي ترى في الفرح تهديداً، وفي الجمال فتنة، وفي الصوت الحر خروجاً عن الصف. لكن التجربة الإنسانية تقول العكس، المجتمعات الواثقة من نفسها لا تخاف من الغناء، لأنها تعرف أن الفن لا يهدم القيم، بل يكشف زيفها حين تكون زائفة. والموسيقى، في نهاية الأمر، ليست نقيض العقل ولا عدو الأخلاق، بل إحدى الطرق التي عبّر بها الإنسان العربي، عبر تاريخه الطويل، عن حزنه وفرحه، وعن وطنه، وعن نفسه.ِ

نقلا عن البيان

"
محمد الرميحي لماذا يحتقر بعض الناس الموسيقى والغناء؟ ولماذا تحوّل الصوت الجميل، في نظر فئة بعينها، من تعبير إنساني مشروع، إلى موضع شبهة أخلاقية، وخروج عن الملة؟ هذا السؤال لا يتصل بالفن وحده، بل بطبيعة الرؤية إلى الحياة نفسها. فالموقف من الموسيقى، هو في جوهره موقف من الفرح، ومن البهجة، ومن الإنسان، بوصفه كائناً يشعر
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة