الرئيسية/آراء/هرمز.. من يملك مفتاح الطاقة في لحظة الانفجار؟
آراء

هرمز.. من يملك مفتاح الطاقة في لحظة الانفجار؟

سفن وقوارب في مضيق هرمز في هذه الثورة الملتقطة من مسندم في عمان
📸سفن وقوارب في مضيق هرمز في هذه الثورة الملتقطة من مسندم في عمان
اليوم ميديا

د. نادر الشامي – كاتب وباحث في الجغرافيا السياسية وشؤون الطاقة

تصاعد التوترات الإقليمية يعيد مضيق هرمز إلى صدارة المشهد العالمي، حيث تتقاطع حسابات الجغرافيا مع رهانات الطاقة في لحظة دقيقة قد تعيد تشكيل معادلات النفوذ والاقتصاد.

لطالما شكّل مضيق هرمز إحدى أكثر النقاط حساسية في النظام الدولي، لكن التطورات الأخيرة أعادته إلى واجهة الأحداث بوصفه عقدة استراتيجية تتقاطع عندها الجغرافيا مع الاقتصاد والسياسة. فهذا الممر البحري الضيق، الذي تعبر منه نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية، لم يعد مجرد ممر للنقل، بل تحوّل إلى أداة ضغط في قلب صراع إقليمي متصاعد.

تكمن أهمية هذا الممر في كونه شريانًا حيويًا للطاقة العالمية، إذ تعتمد عليه دول الخليج بشكل شبه كامل في تصدير النفط والغاز إلى الأسواق الدولية. وبالتالي، فإن أي اضطراب في حركة الملاحة لا ينعكس فقط على الدول المنتجة، بل يمتد تأثيره إلى الاقتصاد العالمي برمّته، من أسعار الطاقة إلى سلاسل الإمداد والتضخم والنمو.

في ظل التصعيد بين إيران وخصومها، يبرز المضيق كورقة استراتيجية شديدة الحساسية. فطهران تدرك أن قدرتها على التأثير في تدفق الطاقة تمنحها هامشًا مهمًا في معادلة الردع، وتتيح لها استخدام هذا الممر الحيوي كوسيلة ضغط في مواجهة العقوبات والضغوط الدولية. في المقابل، تنظر القوى الغربية إلى أمن الملاحة فيه باعتباره خطًا أحمر، نظرًا لارتباطه المباشر باستقرار الاقتصاد العالمي.

هذه المعادلة المتشابكة تضع المضيق في قلب توازن دقيق: قدرة على التعطيل من جهة، وإصرار على الحماية من جهة أخرى. وبين الطرفين، تتحرك المنطقة على إيقاع تصعيد محسوب، لكنه قابل للانفلات في أي لحظة. فمجرد حادث أمني محدود أو سوء تقدير في الحسابات قد يكون كافيًا لإشعال أزمة واسعة تتجاوز حدود الجغرافيا المحلية.

ولا تقتصر تداعيات هذا التوتر على الجانب الأمني، بل تمتد بسرعة إلى الأسواق العالمية. إذ تتفاعل أسعار النفط بشكل فوري مع أي مؤشرات على تهديد الإمدادات، ما يخلق حالة من القلق وعدم اليقين لدى المستثمرين والدول المستهلكة. غير أن المسألة لا تتعلق فقط بتقلب الأسعار، بل أيضًا بمدى قدرة النظام الاقتصادي العالمي على امتصاص الصدمات في ظل بيئة دولية مضطربة.

في مواجهة هذه المخاطر، تسعى دول الخليج إلى تقليل الاعتماد على هذا الممر من خلال تطوير بدائل استراتيجية، مثل خطوط الأنابيب العابرة للحدود أو توسيع قدرات التصدير عبر موانئ خارج نطاقه. كما تستثمر في بنى تحتية جديدة تعزز مرونة سلاسل الإمداد. إلا أن هذه الجهود، على أهميتها، لا تزال محدودة التأثير مقارنة بالدور المركزي الذي يلعبه هذا الممر في تجارة الطاقة العالمية.

في السياق ذاته، تبرز أهمية الترتيبات الأمنية الإقليمية والدولية الهادفة إلى حماية الملاحة. فوجود القوات البحرية الدولية، وتكثيف الدوريات، ومحاولات التنسيق بين الدول المطلة عليه، كلها أدوات تهدف إلى تقليل المخاطر. لكن هذه الترتيبات تواجه تحديات حقيقية في ظل تباين المصالح السياسية وغياب الثقة وتداخل الأجندات الإقليمية والدولية.

هنا يبرز السؤال الجوهري: من يملك فعليًا “مفتاح” هذا الممر الحيوي؟ الإجابة ليست بسيطة. فإيران تمتلك القدرة الجغرافية والعسكرية على التأثير في حركة الملاحة، لكنها تدرك في الوقت ذاته أن أي محاولة لإغلاقه بشكل كامل ستكلفها ثمنًا باهظًا سياسيًا واقتصاديًا. وفي المقابل، تملك القوى الغربية وحلفاؤها القدرة على حماية الممر وضمان استمرارية تدفق الطاقة، لكنها لا تستطيع توفير أمن مطلق في بيئة تتسم بالتوتر وعدم الاستقرار.

هذه المعادلة تكرّس حالة من “الردع المتبادل غير المستقر”، حيث يمتلك كل طرف أدوات ضغط مؤثرة دون أن يكون قادرًا على حسم المعادلة لصالحه بشكل كامل. وهو ما يجعل هذا الممر ساحة اختبار مستمرة لإرادة الأطراف، ومؤشرًا حساسًا على اتجاهات التصعيد أو التهدئة في المنطقة.

ولا يمكن النظر إلى هذه الأزمة بمعزل عن السياق الأوسع للصراعات في الشرق الأوسط. فالتوترات في الخليج، والتشابكات في العراق، والتصعيد في ساحات أخرى، كلها تتقاطع عند هذا الممر الحيوي، ما يعني أن أي تصعيد في إحدى هذه الجبهات قد ينعكس مباشرة على أمن الملاحة فيه.

في المحصلة، لا يبدو أن أيًا من الأطراف يرغب في الوصول إلى مواجهة شاملة، لما تحمله من كلفة باهظة على الجميع. غير أن استمرار التصعيد، وتآكل أدوات الاحتواء، وارتفاع منسوب المخاطر، كلها عوامل تجعل من سيناريو الانفجار احتمالًا قائمًا، حتى وإن لم يكن مقصودًا.

يبقى هذا الممر في نهاية المطاف أكثر من مجرد ممر مائي. إنه نقطة ارتكاز في معادلة معقدة تجمع بين الطاقة والسياسة والأمن. وأي خلل فيه لا يهدد فقط تدفق النفط، بل قد يعيد تشكيل ملامح النظام الدولي بأسره. وفي ظل هذا الواقع، يظل السؤال مفتوحًا: هل يبقى ورقة ضغط محسوبة، أم يتحول إلى شرارة أزمة كبرى يصعب احتواؤها؟

"
د. نادر الشامي – كاتب وباحث في الجغرافيا السياسية وشؤون الطاقة تصاعد التوترات الإقليمية يعيد مضيق هرمز إلى صدارة المشهد العالمي، حيث تتقاطع حسابات الجغرافيا مع رهانات الطاقة في لحظة دقيقة قد تعيد تشكيل معادلات النفوذ والاقتصاد. لطالما شكّل مضيق هرمز إحدى أكثر النقاط حساسية في النظام الدولي، لكن التطورات الأخيرة أعادته إلى واجهة الأحداث
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة