الرئيسية/التحليلات/السعودية أمام معضلة الحوثيين.. ماذا لو أصبح الجار المعادي أمرًا واقعًا؟
التحليلات

السعودية أمام معضلة الحوثيين.. ماذا لو أصبح الجار المعادي أمرًا واقعًا؟

تواجه السعودية معضلة تتجاوز المواجهة العسكرية الحالية مع الحوثيين في اليمن، إذ تجد نفسها أمام سؤال أكثر تعقيدًا يتعلق بما ستفعله إذا تحولت الجماعة، التي تسيطر على أجزاء واسعة من البلاد وتشن هجمات على الأراضي السعودية.

حرس حدود سعودي على الحدود مع اليمن وسط تصاعد التوتر مع الحوثيين.

تواجه السعودية معضلة تتجاوز المواجهة العسكرية الحالية مع الحوثيين في اليمن، إذ تجد نفسها أمام سؤال أكثر تعقيدًا يتعلق بما ستفعله إذا تحولت الجماعة، التي تسيطر على أجزاء واسعة من البلاد وتشن هجمات على الأراضي السعودية، إلى قوة راسخة على حدودها الجنوبية يصعب تغيير واقعها. وتطرح صحيفة ذا ستريتس تايمز هذا السؤال في تحليل نشرته الأربعاء، مشيرة إلى أن الرياض قد تجد نفسها مضطرة إلى التعامل مع احتمال وجود جار معادٍ على حدودها، في وقت توازن فيه بين مواصلة الضغط العسكري ومحاولة احتواء واقع أمني جديد.

السعودية أمام خيار الحرب أو احتواء الحوثيين

بحسب الصحيفة، تحشد السعودية قوات كبيرة على حدودها مع اليمن، بالتزامن مع استمرار الضربات الجوية ضد الحوثيين، لكنها لا تبدو متجهة إلى شن غزو بري شامل، في ظل المخاطر التي قد تترتب على فتح جبهة برية واسعة داخل اليمن. وتأتي هذه الحسابات بينما يواصل الحوثيون توسيع حضورهم في مناطق استراتيجية، بعدما تقدموا على امتداد الساحل الغربي لليمن، ودفعوا القوات المدعومة من السعودية إلى التراجع في مناطق عدة.

وترى ذا ستريتس تايمز أن المشكلة بالنسبة إلى الرياض لا تتعلق فقط بقدرة الحوثيين على شن الهجمات، وإنما باحتمال تحولهم إلى قوة عسكرية وسياسية مستقرة في اليمن، قادرة على البقاء بالقرب من الحدود السعودية لفترة طويلة. وفي هذه الحالة، لن يكون إضعاف القدرات العسكرية للجماعة كافيًا بالضرورة لإنهاء نفوذها، بينما قد يؤدي توسيع الحرب البرية إلى إدخال السعودية في مواجهة أكثر تعقيدًا من دون ضمان واضح لما سيأتي بعدها. لذلك، تتحول المسألة من سؤال عسكري حول كيفية ضرب الحوثيين إلى سؤال استراتيجي حول كيفية منع تهديدهم من التحول إلى واقع دائم.

ولا يعني التردد في شن عملية برية شاملة أن السعودية تخلت عن الخيار العسكري، بل يعكس حجم المخاطر المرتبطة به. فاليمن ليس ساحة سهلة للحسم العسكري، وأي توسع في العمليات البرية قد يطيل أمد المواجهة ويزيد احتمالات تعرض الأراضي والمنشآت السعودية لهجمات إضافية، في وقت تسعى فيه الرياض إلى حماية بنيتها التحتية للطاقة والحفاظ على استقرار اقتصادها.

وتزداد حساسية هذه الحسابات مع اتساع نطاق المواجهة إلى البحر الأحمر، إذ أصبح تقدم الحوثيين على الساحل الغربي لليمن مرتبطًا بشكل مباشر بأمن الملاحة والطاقة. وتقول رويترز إن تقدم الجماعة على الساحل وتهديدها للممرات البحرية باتا يضغطان على أحد مسارات تصدير النفط السعودية، فيما دفعت الهجمات على البنية التحتية وطرق النقل البحرية الرياض إلى التعامل مع الملف باعتباره قضية أمن قومي تتجاوز حدود اليمن.

البحر الأحمر يوسع المعضلة.. والصين وعُمان في المشهد

هذا البعد البحري يجعل المشكلة أكثر تعقيدًا بالنسبة إلى السعودية، لأن الحوثيين لا يشكلون تهديدًا بريًا على الحدود الجنوبية فقط، بل أصبح نفوذهم على الساحل الغربي لليمن جزءًا من معادلة أمن البحر الأحمر وباب المندب. ومع استمرار اضطراب طرق الطاقة والملاحة في المنطقة، تجد الرياض نفسها أمام ضرورة حماية أكثر من مسار في الوقت نفسه، وهو ما يفسر أهمية التحركات الدبلوماسية التي تجري بالتوازي مع العمليات العسكرية.

وفي هذا السياق، تشير ذا ستريتس تايمز إلى اتصالات سرية ووساطات مرتبطة بعُمان والصين، بما يعكس محاولة إبقاء المسار السياسي مفتوحًا بالتوازي مع الضغط العسكري. وتأتي هذه التحركات في وقت كشفت فيه رويترز أن السعودية طلبت من الصين المساعدة في الضغط على إيران لكبح الحوثيين، بينما تحركت بكين بالفعل عبر قنواتها مع طهران، مدفوعة أيضًا بمصالحها في حماية التجارة والطاقة واستقرار طرق الشحن في المنطقة.

أما عُمان، فقد لعبت دورًا مختلفًا باعتبارها قناة اتصال، إذ قالت رويترز إن مسؤولين أميركيين التقوا ممثلين للحوثيين في عُمان خلال الأيام الماضية، في اتصالات هدفت إلى منع اتساع المواجهة والحفاظ على أمن الملاحة. ويعني ذلك أن مسقط أصبحت جزءًا من شبكة القنوات التي يمكن استخدامها لإدارة الأزمة، حتى في ظل استمرار القتال على الأرض.

لكن هذه التحركات الدبلوماسية لا تعني وجود تسوية قريبة، ولا تشير بالضرورة إلى أن السعودية مستعدة لقبول الوضع الذي فرضه الحوثيون. الأهم أنها تكشف عن محاولة لإدارة المخاطر عبر أكثر من مسار، بحيث لا تعتمد الرياض على الخيار العسكري وحده، ولا تنتظر في الوقت نفسه تدخلاً خارجيًا لحل مشكلة أصبحت مرتبطة مباشرة بأمن حدودها ومصالحها الاقتصادية.

واشنطن تتردد.. فهل يصبح الحوثيون جارًا دائمًا؟

تزداد صعوبة الحسابات السعودية مع حدود الدور الأميركي، إذ تشير ذا ستريتس تايمز إلى أن واشنطن لا تبدو مستعدة للانخراط بصورة أعمق في الحرب اليمنية، وهو ما يضع الرياض أمام ضرورة التعامل مع التهديد بقدراتها وتحالفاتها الخاصة، بدل انتظار تدخل أميركي مباشر لحسم المواجهة. ويأتي ذلك بينما قالت فايننشال تايمز إن تردد الرئيس الأميركي دونالد ترامب في تقديم دعم عسكري مستمر للسعودية ضد الحوثيين زاد التوتر في العلاقة بين واشنطن والرياض، رغم استمرار التعاون العسكري وتزويد المملكة بالسلاح والمعلومات الاستخبارية.

ولا يعني ذلك أن التحالف السعودي–الأميركي يتجه بالضرورة إلى القطيعة، فالتعاون العسكري بين البلدين مستمر، لكن الأزمة الحالية تكشف اختلافًا في حسابات الطرفين بشأن حدود الانخراط الأميركي في اليمن. وبالنسبة إلى الرياض، فإن استمرار التهديد الحوثي يعني أن الاعتماد على الحماية الخارجية وحدها لا يقدم إجابة كاملة عن سؤال أمن الحدود، خصوصًا إذا استمرت الجماعة في تعزيز مواقعها على ساحل البحر الأحمر.

وهنا تصل زاوية ذا ستريتس تايمز إلى جوهرها: المشكلة التي تواجه السعودية قد لا تكون كيفية خوض حرب جديدة، وإنما كيفية التعامل مع نتيجة حرب لا يمكن حسمها بسهولة. فإذا استمر الحوثيون في السيطرة على أجزاء واسعة من اليمن، فقد تضطر الرياض إلى التعامل مع واقع أمني جديد بدل السعي إلى تغييره بالكامل، سواء عبر الردع العسكري أو الاحتواء أو التفاوض أو مزيج من هذه الأدوات.

ما وراء الخبر: التحول الأهم في المشهد ليس أن الحوثيين أصبحوا قوة لا يمكن مواجهتها، ولا أن السعودية تخلت عن الخيار العسكري، وإنما أن الحرب تضع الرياض أمام سؤال اليوم التالي. فحتى إذا تمكنت السعودية من إضعاف القدرات العسكرية للحوثيين، يبقى السؤال حول قدرتها على إزالة نفوذهم بالكامل من اليمن، وإذا تعذر ذلك فإن التحدي سيكون في منع قوة مسلحة معادية من تحويل نفوذها الحالي إلى واقع أمني دائم على الحدود وفي محيط البحر الأحمر.

ولهذا قد لا تكون المعركة المقبلة مجرد سباق على السيطرة على الأرض، بل محاولة لصياغة ترتيبات تمنع تحول التهديد الحوثي إلى وضع دائم يصعب تغييره لاحقًا. وبينما تتحرك السعودية عسكريًا، وتفتح الصين قنواتها مع إيران، وتوفر عُمان مسارًا للاتصال، وتعيد واشنطن حسابات انخراطها، يبقى السؤال الذي قد يحدد المرحلة المقبلة: هل تستطيع الرياض تغيير ميزان القوى في اليمن، أم ستضطر في النهاية إلى التعايش مع جار معادٍ على حدودها؟

"
“تواجه السعودية معضلة تتجاوز المواجهة العسكرية الحالية مع الحوثيين في اليمن، إذ تجد نفسها أمام سؤال أكثر تعقيدًا يتعلق بما ستفعله إذا تحولت الجماعة، التي تسيطر على أجزاء واسعة من البلاد وتشن هجمات على الأراضي السعودية، إلى قوة راسخة على حدودها الجنوبية يصعب تغيير واقعها. وتطرح صحيفة ذا ستريتس تايمز هذا السؤال في تحليل نشرته”
— اليوم ميديا / التحليلات

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تركيا تسعى إلى توسيع نفوذها الإقليمي مستفيدة من موقعها الجغرافي وإرثها التاريخي.

تركيا والعثمانيون.. هل يعود زمن النفوذ؟

لم يعد السؤال عن عودة الدولة العثمانية مجرد استدعاء تاريخي يثيره خطاب الحنين إلى الماضي، أو مقارنة عابرة بين تركيا الحديثة والإمبراطورية التي حكمت أجزاء واسعة من العالم العربي لقرون. فالتطورات المتسارعة في السياسة الخارجية التركية، واتساع شبكة اتفاقياتها الدفاعية والاقتصادية، من الخليج إلى بلاد الشام وشمال أفريقيا والبحر الأحمر، أعادت طرح سؤال أكثر عمقاً:

تحليل - محمد فال معاوية
الجمعة، ٦ نوفمبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
ترامب يقرّ بتأثير حرب إيران على خسارة الجمهوريين

ترامب يعترف: حرب إيران كلفتنا الهزيمة الانتخابية

أقرّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأن الحرب مع إيران أسهمت في خسارة حزبه الجمهوري انتخابات التجديد النصفي، التي انتهت بفوز كبير للديمقراطيين وسيطرتهم على مجلسي النواب والشيوخ، لكنه دافع عن قراره شنّ الحرب، مؤكداً أنه كان سيتخذ القرار نفسه مجدداً. وقال ترامب، في مقابلات مع شبكة «فوكس نيوز» وصحيفة «وول ستريت جورنال»، إن إيران كانت

لندن - اليوم ميديا
الخميس، ٥ نوفمبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
بيت هيغسيث والجنرال دان كين خلال جلسة استماع في مجلس الشيوخ

واشنطن بعد الانتخابات.. هل يُحاسب قادة البنتاغون؟

تواجه قيادة وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) مرحلة جديدة من الضغوط السياسية، بعد الخسائر الكبيرة التي مُني بها الجمهوريون في انتخابات التجديد النصفي، وسط تصاعد الدعوات إلى مراجعة إدارة الحرب على إيران والتقديرات العسكرية التي قُدمت إلى البيت الأبيض بشأن مسار العمليات ونتائجها. وقالت صحيفة «واشنطن بوست» إن الهزيمة الانتخابية للجمهوريين فتحت الباب أمام تحركات داخل

لندن -حمزة نور الدين
الخميس، ٥ نوفمبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
وزير الخارجية الصيني وانغ يي خلال مؤتمر صحفي في بكين.

الصين تريد مقعداً على طاولة تسوية حرب الخليج

كثّفت الصين تحركاتها الدبلوماسية في الشرق الأوسط سعياً إلى توسيع دورها في جهود إنهاء الحرب الأميركية الإيرانية، مستفيدة من علاقاتها السياسية والاقتصادية مع طهران ودول الخليج، في وقت تتواصل فيه الوساطة القطرية وسط مخاوف من تجدد الضربات العسكرية واتساع نطاق المواجهة. وقالت وكالة رويترز، في تقرير نشرته الأربعاء 4 نوفمبر، إن بكين تسعى إلى الحصول

الرياض - سالم ناصر العتيبي
الخميس، ٥ نوفمبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة